- لم تعد قدرات التعافي بعد الحوادث وحدها كافية لقياس المرونة السيبرانية لأي منظمة.
- إن تزايد تعقيد الجرائم السيبرانية والمخاطر الموروثة من الأطراف الثالثة يدفع القادة إلى إعادة التفكير في كيفية إدارة مخاطر الأمن السيبراني.
- ينبغي الآن قياس المرونة السيبرانية بشكل أوسع، ليشمل الاستعداد المسبق والتخفيف المبكر من المخاطر، إلى جانب القدرة على التعافي.
مع تزايد أهمية المرونة السيبرانية في مناقشات مجالس الإدارة والمستويات التنفيذية العليا حول العالم، يدرك القادة بشكل متزايد أن المخاطر السيبرانية تمثل قضية أساسية تمس الأعمال والعمليات والحوكمة.
ومع ذلك، فقد تم قياس المرونة السيبرانية تقليدياً بشكل رئيسي عند مرحلة التعافي: أي مدى سرعة استعادة الأنظمة، ومدى فعالية فرق إدارة الأزمات في الاستجابة، ومدى قدرة المؤسسات على احتواء الأضرار بعد وقوع الحادث.
ورغم أهمية هذه القدرات، فإن الواقع الحالي الذي يتسم بهجمات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتوسع الاعتماد الرقمي، وزيادة التعرض لمخاطر الأطراف الثالثة، يتطلب من القادة اعتماد نهج أوسع.
ينبغي الآن قياس المرونة السيبرانية بشكل استباقي، بدءاً من القدرة على التخفيف من المخاطر والاستعداد لها – أي القدرة على تقليل احتمال وقوع الاضطرابات وحجمها وتأثيرها على الأعمال قبل حدوث الضرر – ثم القدرة على التعافي عندما تفشل إجراءات الوقاية.
الحوادث السيبرانية: واقع مكلف للمؤسسات
إن التحول نحو التركيز على الاستعداد والتخفيف من المخاطر أصبح أكثر إلحاحاً، لأن الحوادث السيبرانية أصبحت واقعاً يومياً تواجهه المؤسسات بمختلف أحجامها حول العالم. ويصف تقرير التوقعات العالمية للأمن السيبراني لعام 2026 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي هذا النوع من البيئات سريعة التغير، التي تتشكل بفعل المخاطر المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، والتجزئة الجيوسياسية، واتساع فجوة عدم المساواة السيبرانية.
عادةً ما تكون تكلفة التعافي أعلى بكثير من تكلفة الاستعداد المسبق، لذلك يوجد أيضاً مبرر اقتصادي قوي لتغيير هذا النهج. فقد وجد تقرير تكلفة اختراق البيانات لعام 2025 الصادر عن شركة IBM أن متوسط التكلفة العالمية للاختراق بلغ 4.4 ملايين دولار، في حين أن سرعة اكتشاف الحوادث واحتوائها كانت من أهم العوامل التي ساهمت في تقليل الخسائر.
وأضاف التقرير أن المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والأتمتة بشكل مكثف تمكنت من تقليص مدة دورة الاختراق بمقدار 80 يوماً، وخفض متوسط تكلفة الاختراق بمقدار 1.9 مليون دولار. وتوضح الحالات العامة هذا التفاوت بشكل أكبر؛ إذ قدّرت شركة Maersk أن هجوم NotPetya كلّفها ما بين 200 إلى 300 مليون دولار نتيجة تعطل الأعمال وتكاليف التعافي.
كيف يجب أن يتطور قياس المرونة السيبرانية
الدرس بالنسبة للقادة واضح: لا تقتصر المرونة على القدرة على تجاوز الصدمات، بل تشمل أيضاً تقليل الحاجة إلى التعافي المكلف من الأساس. ولهذا السبب يجب أن يتطور قياس المرونة السيبرانية عبر أربعة تحولات مترابطة.
التحول من الثابت إلى الديناميكي
لم تعد الاستبيانات العرضية أو المراجعات في نقطة زمنية محددة كافية في بيئات رقمية تتغير يومياً بفعل البنى الجديدة والموردين وتحديثات البرمجيات ونشر الذكاء الاصطناعي والهويات المكشوفة.
يجب أن يعمل قياس المرونة الحديثة كنظام مراقبة مستمر، وليس مجرد تدقيق دوري. ويُعد برنامج الدفاع السيبراني النشط الذي يقدمه المركز الوطني للأمن السيبراني في المملكة المتحدة مثالاً مفيداً، حيث يوفر خدمات مستمرة وفحوصات آلية لتقليل الأضرار الناتجة عن الهجمات الشائعة على نطاق واسع.
المبدأ العام بسيط: يجب أن يواكب القياس، في الوقت الفعلي، البيئة التي يهدف إلى حمايتها.
التحول من التصريحي إلى القابل للملاحظة
مع تزايد تعقيد وسرعة المخاطر السيبرانية، لا يمكن الاعتماد فقط على المقابلات أو التقييمات الذاتية أو وثائق السياسات؛ بل يجب أيضاً توفير أدلة ملموسة على أن الأنظمة والضوابط والعمليات والفرق تعمل بفعالية على أرض الواقع.
يعتمد القادة وفرق الأمن السيبراني بشكل متزايد على المعلومات الخارجية لتعزيز الاستعداد قبل وقوع الحوادث، وذلك من خلال تقييم الثغرات الظاهرة على الإنترنت، والتعرض غير المقصود، ومؤشرات التهديدات الناشئة للحصول على إنذار مبكر.
تكمن أهمية عامل الوقت في أن الحصول على معلومات المخاطر من الخارج قبل اكتشاف الأدوات الداخلية لأي اختراق يمنح المدافعين فرصة للتحرك قبل وصول التهديد إلى حدود النظام.
ولا تعني القابلية للملاحظة انتظار تنبيه داخلي لتأكيد الضرر، بل استخدام النتائج الخارجية – مثل فحص الثغرات ومراقبة مواقع التسريب والويب المظلم – لتحديد نقاط الضعف أو التعرض أو الاستهداف، واتخاذ الإجراءات قبل أن يتحول الاختراق إلى اضطراب فعلي.
التحول من الامتثال إلى القابل للتنفيذ
لا يزال الامتثال مفيداً، خاصة في القطاعات المنظمة، لكنه وحده لا يحمي المؤسسة. فنتائج القياس الجيدة يجب أن تقود إلى قرارات إدارية أفضل، مثل تحديد الثغرات التي يجب معالجتها أولاً، والموردين الذين يتطلبون تصعيداً، والأصول التي ينبغي إخراجها من نطاق التعرض.
وتُبرز الأطر والإرشادات المعتمدة للاستجابة للحوادث هذا المنطق بوضوح، حيث إن الحوكمة والتحديد والحماية ليست منفصلة عن الاستجابة والتعافي، بل تساهم في منع الحوادث وتقليل آثارها وتحسين إدارتها مع مرور الوقت. ولا تكون للقياسات قيمة حقيقية إلا عندما توجه الأولويات والاستثمارات والإجراءات التصحيحية.
التحول من الفردي إلى النظامي
لا تزال العديد من المؤسسات تقيم المرونة السيبرانية كما لو أن المخاطر تتوقف عند حدودها، رغم الأدلة المتزايدة على أن المرونة تعتمد على التنسيق وتبادل المعلومات والرؤية عبر النظام البيئي الأوسع.
فقد حلّل تقرير Verizon لعام 2025 نحو 22,052 حادثة أمنية واقعية، ووجد أن الأطراف الثالثة كانت متورطة في 30% من حالات الاختراق، أي ما يقارب ضعف العام السابق. وهذا يعني أن قياس المرونة يجب أن يتم داخلياً، لكنه يجب أيضاً أن يمتد إلى الموردين ومقدمي الخدمات واعتمادات البرمجيات والبيانات المكشوفة والأصول الرقمية المتسربة خارج الحدود الرسمية.
ويُعد برنامج أمن العملاء الخاص بشبكة SWIFT مثالاً عملياً، حيث يجمع بين الضوابط الإلزامية وآليات التحقق لتعزيز الثقة في النظام المالي، بدلاً من ترك كل جهة تدير المخاطر بشكل منفصل.
كما تمثل مراكز مشاركة المعلومات وتحليلها نموذجاً آخر عملياً، إذ تمكّن المؤسسات داخل نفس القطاع من تبادل المعلومات وتعزيز المرونة السيبرانية الجماعية. وفي الاقتصادات المترابطة، يجب قياس المرونة وإدارتها في الأماكن التي يمكن أن تنتقل فيها آثار الاضطرابات.
أطر لدعم قياس سيبراني متسق
يمكن للمؤسسات الاعتماد على أطر ومعايير ناضجة لدعم القياس المتسق عبر هذه التحولات الأربعة. فعلى سبيل المثال، يوفر إطار NIST CSF 2.0 بنية عملية لإدارة وتحديد وحماية واكتشاف والاستجابة والتعافي من المخاطر السيبرانية. كما يضيف إطار MITRE ATT&CK قاعدة معرفية تساعد المؤسسات على ربط دفاعاتها بسلوكيات الخصوم في العالم الحقيقي. وتوفر هذه الأطر وغيرها لغة مشتركة بين مجالس الإدارة وفرق الأمن والموردين والجهات التنظيمية.
وقد بدأت المؤسسات الرائدة بالفعل في هذا التحول. فلم يعد قياس المرونة السيبرانية يعتمد فقط على ما يحدث بعد الحادث، بل على مدى تعزيز الاستعداد، وتقليل التعرض، وتحويل النتائج إلى إجراءات، ومعالجة الطبيعة النظامية للمخاطر الرقمية.
عملياً، تبرز أربعة أسئلة أساسية: هل نقيس بشكل ديناميكي؟ هل نراقب الفعالية التشغيلية بدلاً من الاكتفاء بالتصريحات؟ هل تؤدي نتائجنا إلى إجراءات؟ وهل يمتد رصدنا إلى ما وراء حدودنا ليشمل النظام البيئي الأوسع الذي نعتمد عليه؟
في عام 2026، ستكون المؤسسات والحكومات التي تجيب بنعم عن هذه الأسئلة في موقع أفضل لمنع الاضطرابات، وحماية الثقة، وتقليل الأضرار المباشرة وغير المباشرة، وتسريع الابتكار الرقمي بثقة أكبر.
