مع بداية كل عام، يتجه كثيرون إلى اتخاذ قرارات لتحسين صحتهم. ينضم البعض إلى نادٍ رياضي، ويسجل آخرون في دروس مثل البيلاتس، بينما يقرر غيرهم اتباع نظام غذائي جديد. لكن سرعان ما تتلاشى هذه الحماسة لدى كثيرين، وتذوب العادات الجديدة كما بدأت. الأسباب متعددة ومألوفة؛ طفل يمرض فيعطّل روتينك، أو تكاليف الاشتراك والمعدات تصبح عبئًا، أو تفقد الأطعمة الصحية جاذبيتها. وفي النهاية، يتراجع الدافع شيئًا فشيئًا حتى يختفي.
المشكلة ليست دائمًا في قوة الإرادة، بل في طبيعة الدافع نفسه. عندما نملأ أوقات فراغنا بأنشطة لا تمنحنا متعة حقيقية أو شعورًا بالرضا، يصبح الاستمرار فيها عبئًا. الدوافع الخارجية، مثل السعي إلى شكل جسدي معين أو الخوف من أمراض القلب، قد تدفعنا في البداية لكنها نادرًا ما تصمد. أما حين نفعل ما نحبه فعلًا، وما يعكس قيمنا أو إحساسنا بذواتنا، أو ما كنا سنفعله حتى دون أن يرانا أحد، فإن الاستمرار يصبح أقرب إلى الطبيعة. من هنا، لا يكون الهدف من القرارات السنوية هو فرض عادات جديدة، بل اكتشاف ما يوقظ الدافع الداخلي.
هناك جانب آخر أكثر عمقًا يؤثر في قدرتنا على الالتزام، وهو الطريقة التي ننظر بها إلى الصحة نفسها. غالبًا ما تُقدَّم الصحة على أنها مسؤولية فردية خالصة، بل ويُحمَّل الفرد اللوم إذا تدهورت صحته. صحيح أن النموذج الطبي ضروري لتشخيص الأمراض وعلاجها، لكنه حين يُختزل في فكرة “النقص” الفردي، يغفل شبكة واسعة من العوامل التي تشكل صحتنا.
فالصحة لا تتحدد فقط بما يجري داخل أجسادنا أو بما نختاره من أنماط حياة، بل تتأثر أيضًا بعلاقاتنا الاجتماعية، وبالظروف الاقتصادية والثقافية والبيئية التي نعيش فيها. هذا الفهم يخفف العبء عن الفرد، ويعيد توزيع المسؤولية لتصبح مسؤولية مشتركة بين المجتمع ومؤسساته. أما اختزال الصحة في كونها شأنًا فرديًا، فيجعلها تجربة معزِلة، يشعر فيها الإنسان أنه يقاوم وحده، في مواجهة ظروف أكبر منه.
لطالما حذر علماء الاجتماع من آثار هذه النظرة، لأنها تدفعنا إلى القسوة على أنفسنا، وتجعلنا ننظر إلى أجسادنا بوصفها مشاريع فاشلة تحتاج إلى إصلاح. وحين نقتنع بأن النشاط البدني أو اللياقة أمر بعيد المنال، نفقد الحافز قبل أن نبدأ. ويزداد الأمر تعقيدًا عندما نضع في الاعتبار الفوارق الاجتماعية والاقتصادية والجغرافية والسياسية، التي قد تشكل عبئًا أثقل بكثير من أي وزن يُرفع في صالة الرياضة.
العودة إلى النشاط البدني، سواء لأول مرة أو بعد انقطاع طويل، ليست مسألة جسدية فقط، بل هي تمرين ذهني في المقام الأول. البداية الحقيقية تكون من الداخل، من إعادة توجيه الانتباه وطريقة التعامل مع الجسد.
أن تكون حاضرًا في جسدك يعني أن تتوقف قليلًا عن الانشغال الذهني المستمر، وأن تلتفت إلى حواسك وما تعيشه في اللحظة. هذه البساطة الظاهرة تمنح جهازك العصبي فرصة للهدوء، وتخفف من وطأة التوتر المتراكم.
وأن تتحرك بدافع المتعة فقط يحررك من ثقل “الإنجاز”. عندما يصبح النشاط وسيلة للحصول على نتيجة خارجية، يفقد طابعه الترفيهي ويشبه العمل. أما حين تبحث عما يبهجك فعلًا، يتحول إلى شيء تنتظره بشغف لا إلى عبء تحاول الهروب منه.
كما أن تحويل التركيز من شكل الجسد إلى قدراته يفتح بابًا مختلفًا تمامًا. معايير الجمال تتبدل باستمرار، أما قدرة الجسد على الحركة والإنجاز فهي حقيقة ملموسة. حين تنظر إلى جسدك من زاوية ما يستطيع فعله، لا من زاوية كيف يبدو، يتغير شعورك نحوه، ويتحسن حضورك في حياتك اليومية.
ولا يقل أهمية أن تحيط نفسك بأشخاص يشاركونك هذه النظرة. رفقة تتفهم تقلبات الحافز، ولا تصدر أحكامًا، وتؤمن بأن الأجساد متعددة ومختلفة، لكنها جميعًا قادرة وجديرة بالاحترام.
أما الخروج إلى الهواء الطلق، فله أثر يتجاوز ما يبدو بسيطًا. قضاء وقت في الطبيعة، ولو كان قصيرًا، يهدئ القلب ويخفف القلق ويعيد التوازن. ليس المطلوب الذهاب إلى أماكن بعيدة؛ أحيانًا يكفي أن تمشي في شارعك لتشعر بالفرق.
حين تمارس نشاطًا بدنيًا يمنحك الفرح، فإنك لا تعتني بصحتك فحسب، بل تعيد تعريف علاقتك بجسدك وبالعالم من حولك. هذا النوع من الحركة يحمل في طياته معنى أعمق، لأنه يتحدى الصور النمطية التي تختزل الصحة في شكل أو مقاس أو مستوى لياقة محدد.
الاحتفاء بتنوع الأجساد، والاستمتاع بالحركة، ومشاركة الآخرين هذه التجربة، كلها تعبيرات عن رؤية أكثر رحابة للصحة. إنها طريقة للقول إن الجسد ليس عبئًا يجب إصلاحه، بل مساحة للعيش والتجربة.
وفي هذا التحول الهادئ في التفكير، وفي هذه العودة البسيطة إلى الحركة بوصفها متعة، قد تجد ما كنت تبحث عنه طويلًا. ربما لم تكن المشكلة في نقص الانضباط، بل في زاوية النظر نفسها.
