اليوم يستخدم أكثر من 987 مليون شخص حول العالم روبوتات الدردشة القائمة على الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما في ذلك نحو 64 في المئة من المراهقين في الولايات المتحدة وفق تقديرات حديثة. ويتزايد استخدام هذه الأدوات للحصول على المشورة، والدعم العاطفي، والعلاج النفسي، وحتى الشعور بالرفقة.
لكن السؤال الأهم هو: ماذا يحدث عندما يعتمد الناس على هذه الروبوتات في لحظات الضعف النفسي الحاد؟ في الفترة الأخيرة، تصاعدت التغطية الإعلامية لحالات مأساوية أُشير فيها إلى احتمال تورط روبوتات الذكاء الاصطناعي في قرارات أو سلوكيات انتهت بوفاة أشخاص. كما أصدرت هيئة محلفين في لوس أنجلوس حكمًا حمّلت فيه شركتي ميتا ويوتيوب مسؤولية تصميم ميزات إدمانية أسهمت في تدهور الصحة النفسية لأحد المستخدمين.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل تعكس هذه التغطية الإعلامية حجم المخاطر الحقيقي للذكاء الاصطناعي التوليدي على الصحة النفسية؟
أجرى فريقنا دراسة حديثة تناولت كيفية تغطية وسائل الإعلام العالمية لتأثير روبوتات الدردشة التوليدية على الصحة النفسية. شملت الدراسة تحليل 71 مقالًا إخباريًا وثّقت 36 حالة لأزمات نفسية، تضمنت نتائج شديدة مثل الانتحار، والدخول إلى المستشفى النفسي، وتجارب تشبه الذهان.
أظهرت النتائج أن التغطية الإعلامية تركز بشكل كبير على الحالات الشديدة، خصوصًا الانتحار والإدخال إلى المستشفيات النفسية. وغالبًا ما تُنسب هذه النتائج إلى سلوك أنظمة الذكاء الاصطناعي، رغم أن الأدلة الداعمة لذلك تبقى محدودة في كثير من الحالات.
أوهام التعاطف
الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس مجرد أداة تقنية عادية. فعلى عكس محركات البحث أو التطبيقات التقليدية، تنتج روبوتات الدردشة مثل ChatGPT وGemini وClaude وGrok وPerplexity وغيرها محادثات سلسة ومخصصة تبدو في كثير من الأحيان شديدة الإنسانية.
هذا ما يطلق عليه الباحثون ""أوهام التعاطف""، أي شعور المستخدم بأنه يتحدث إلى كيان يفهمه ويتعاطف معه ويستجيب له بشكل إنساني حقيقي.
هذا الجانب يصبح أكثر أهمية في سياق الصحة النفسية، خاصة مع انتشار تطبيقات تركز على الرفقة مثل Character.AI وReplika وغيرها. فقد أظهرت الدراسات أن هذه الأنظمة قادرة على محاكاة التعاطف والاستجابة للضيق النفسي، لكنها في المقابل تفتقر إلى القدرة السريرية الحقيقية، وإلى المسؤولية المهنية، وإلى واجب الرعاية.
وفي بعض الحالات، قد تقدم هذه الروبوتات استجابات غير مناسبة أو غير متسقة في المواقف الحرجة، مثل الأفكار الانتحارية.
وهنا تظهر الفجوة الخطيرة بين الإحساس بأن النظام يفهم المستخدم، وبين قدرته الفعلية على التعامل مع الحالة النفسية بشكل آمن.
ما الذي تقوله التغطية الإعلامية
في المقالات التي تمت دراستها، كان الانتحار هو النتيجة الأكثر تكرارًا، إذ شكل أكثر من نصف الحالات ذات الشدة العالية. كما جاء الدخول إلى المستشفى النفسي في المرتبة الثانية. ولاحظنا أن الحالات التي تتعلق بالقُصّر كانت تميل بشكل أكبر إلى عرض نتائج قاتلة.
لكن هذه الأرقام لا تعكس الواقع الفعلي، بل تعكس ما يتم الإبلاغ عنه إعلاميًا. بشكل عام، تميل وسائل الإعلام إلى التركيز على الأحداث الصادمة والشديدة لأنها تجذب الانتباه وتثير استجابات عاطفية قوية، مما يجعلها أكثر انتشارًا وتأثيرًا. وهذا بدوره يخلق شعورًا مضخمًا بالخطر.
في كثير من التغطيات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، يتم الاعتماد على أدلة جزئية مثل نصوص المحادثات، بينما نادرًا ما تُعرض تقارير طبية أو وثائق رسمية. في العينة التي درسناها، لم تتضمن سوى حالة واحدة أدلة طبية أو شرطة موثقة.
هذا يؤدي إلى صورة مشوهة لكنها مؤثرة جدًا، تؤثر في الرأي العام وفي النقاشات الطبية والتنظيمية.
ما وراء فكرة أن الذكاء الاصطناعي هو السبب
من أهم النتائج التي توصلنا إليها الطريقة التي يتم بها تفسير السبب. في العديد من المقالات، يُصوَّر الذكاء الاصطناعي على أنه السبب المباشر أو أحد الأسباب الرئيسية لتدهور الحالة النفسية.
لكن عند التدقيق في الأدلة، نجد أنها غالبًا غير كافية. في المقابل، يتم تجاهل عوامل أخرى محتملة مثل وجود اضطرابات نفسية سابقة، أو تعاطي مواد، أو ضغوط اجتماعية ونفسية معقدة.
في الطب النفسي، نادرًا ما يمكن إرجاع الأزمة النفسية إلى سبب واحد مباشر. بل عادة ما تكون نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المختلفة. وقد يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا في بعض الحالات، لكنه غالبًا جزء من سياق أوسع يشمل هشاشة الفرد وظروفه الحياتية.
ومن هنا يمكن النظر إلى المسألة من زاوية التفاعل، أي كيف تتداخل التكنولوجيا مع التفكير البشري والمشاعر. على سبيل المثال، قد تعزز هذه الأنظمة بعض المعتقدات، أو تقدم دعمًا مفرطًا دون نقد، أو تضعف الحدود بين الواقع والخيال.
مشكلة الاعتماد المفرط
من الأنماط المتكررة في التقارير أيضًا الاستخدام المكثف لهذه الروبوتات. فقد أظهرت العديد من الحالات وجود تفاعل طويل وعاطفي مع أنظمة الدردشة، وصل في بعض الأحيان إلى علاقات صداقة أو علاقات عاطفية.
هذا يطرح مشكلة الاعتماد المفرط.
فبسبب توفر هذه الأنظمة بشكل دائم، واستجابتها غير الحكمية، وسهولة التفاعل معها، قد تصبح مصدر الدعم الأساسي لبعض الأشخاص. لكنها تختلف جذريًا عن المعالج النفسي أو حتى الصديق الحقيقي، إذ إنها لا تستطيع التعرف على تدهور الحالة النفسية، ولا التوقف عند الضرورة، ولا توجيه المستخدم نحو المساعدة المناسبة.
ومن منظور نفسي، قد يؤدي ذلك إلى ما يمكن وصفه باستبدال غير صحي لآليات التكيف، حيث يتم استبدال شبكات الدعم البشرية المعقدة بتفاعل رقمي مبسط يعتمد على الخوارزميات.
نقص البيانات الموثوقة
رغم تصاعد القلق حول هذه القضية، ما زلنا في مرحلة مبكرة جدًا من فهم تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على الصحة النفسية.
لا توجد حتى الآن بيانات دقيقة توضح مدى انتشار الأضرار المرتبطة بهذه الأدوات، أو ما إذا كانت في تزايد. كما لا نعرف بشكل واضح عدد المستخدمين الذين يستخدمونها بأمان مقارنة بمن يواجهون مشكلات حقيقية بسببها. ومعظم ما هو متوفر من معلومات يأتي من تقارير فردية أو تغطيات إعلامية، وليس من دراسات علمية منهجية واسعة.
وهذا ليس أمرًا غير مألوف في المجال الطبي، إذ غالبًا ما تظهر إشارات الخطر الأولى خارج الأبحاث الرسمية، عبر حالات فردية أو نقاشات عامة أو حتى قضايا قانونية، قبل أن يتم دراستها علميًا بشكل منهجي.
ومن الأمثلة التاريخية على ذلك مأساة دواء الثاليدومايد، حيث ظهرت تقارير عن تشوهات خلقية لدى الأطفال قبل تأكيدها علميًا، مما أدى لاحقًا إلى تطوير أنظمة حديثة لمراقبة سلامة الأدوية.
ومن المحتمل أن يسير الذكاء الاصطناعي والصحة النفسية في مسار مشابه.
المضي قدمًا بشكل مسؤول
المطلوب اليوم ليس الذعر، بل التعامل مع الموضوع بوعي ومسؤولية.
نحن بحاجة إلى أدلة علمية أقوى، تشمل متابعة منهجية للحالات السلبية، ومعايير واضحة للإبلاغ، وأبحاث تفرق بين الارتباط والسببية. كما يجب تطوير أنظمة حماية أفضل، مثل اكتشاف الأزمات النفسية مبكرًا، ووضع بروتوكولات تصعيد واضحة، وزيادة الشفافية حول حدود هذه الأنظمة.
كما أن هناك حاجة ملحة لتوجيه الأطباء والجمهور، لأن هذه الأدوات أصبحت جزءًا من حياة الناس بالفعل. تجاهل هذا الواقع سيزيد الفجوة بين الممارسة الطبية والتجربة اليومية للأفراد.
وفي النهاية، يجب إدراك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس مجرد تطور تقني، بل هو أيضًا تحول نفسي عميق. فهو يغير طريقة تفكير الناس، وشعورهم، وطريقة تواصلهم مع أنفسهم ومع الآخرين.
وفهم هذا التحول قد يكون أحد أكبر التحديات النفسية في السنوات القادمة.
