بقلم: إميلي هاريسون
في المدارس الابتدائية في المملكة المتحدة، يُنظر إلى تعليم الصوتيات (Phonics) باعتباره الأساس الضروري الذي يُمكّن الأطفال من تعلم القراءة بنجاح. وهذا الاهتمام الكبير بالصوتيات جعلها شبه الطريقة المهيمنة، لدرجة أن أساليب أخرى أقل شهرة لا يُلتفت إليها كثيرًا، حتى لو كانت لا تهدف إلى استبدال الصوتيات بل دعمها وتكاملها معها.
عادةً ما تلتزم المدارس بما هو مألوف لديها، ومع ازدياد الضغط على المعلمين لرفع مستوى الأداء وتحقيق نتائج قوية في تقارير التقييم المدرسي، يصبح من الصعب تخصيص وقت لتجربة أساليب جديدة، حتى تلك التي قد تساعد الأطفال الذين تلقوا تدريبًا على الصوتيات لكنهم ما زالوا يعانون من صعوبات في القراءة.
يقوم تعليم الصوتيات على تنمية ما يُعرف بالوعي الفونولوجي التقسيمي، أي تدريب الطفل على التعرف على الحروف والأصوات وربطها، ثم دمجها وفصلها لتكوين الكلمات. لكن هذا ليس كل ما يتعلق بصوتيات اللغة؛ فهناك جانب آخر أقل شهرة يُعرف بالوعي الفونولوجي فوق التقسيمي، وهو يتعلق بالإيقاع الطبيعي للكلام، مثل نبرة الصوت، والتشديد، والتنغيم، وتوقيت الكلام.
وتشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أن قدرة الطفل على إدراك هذا الإيقاع ترتبط بشكل مباشر بمهاراته في القراءة، سواء في اكتسابها أو في الفهم، بل وحتى في صعوبات القراءة. بمعنى آخر، الأطفال الذين يواجهون صعوبات في القراءة غالبًا ما يكون لديهم ضعف في الإحساس بإيقاع الكلام، بينما الأطفال الذين يمتلكون حسًا أفضل بالإيقاع يكون أداؤهم في القراءة أفضل.
وهنا يبرز سؤال مهم: إذا استطعنا تحسين إدراك الأطفال لإيقاع الكلام، فهل يمكن أن ينعكس ذلك على تحسين مهاراتهم في القراءة؟
خلال عملي في جامعة كوفنتري، كان هذا السؤال محل اهتمام كبير لنا. لكن في ذلك الوقت لم تكن هناك برامج تدريبية تركز على تدريب الأطفال على إدراك إيقاع الكلام بهدف تحسين مهارات القراءة. لذلك قمنا بتطوير برنامج تدريبي يهدف إلى تعزيز هذا الجانب لدى الأطفال.
حرصنا على أن يكون البرنامج مناسبًا حتى للأطفال غير الناطقين، سواء بسبب اضطرابات في النطق أو بسبب الخجل، وكذلك للأطفال بمستويات مختلفة من القدرات. ولهذا صممنا المحتوى بطريقة تعتمد على الصور والأصوات المسجلة، بحيث يرى الطفل بطاقة صورة ويستمع إلى صوت مرتبط بها، دون الحاجة إلى الاستجابة بالكلام. كما اعتمدنا على التكرار لضمان ترسيخ الفهم عبر الجلسات. واستمر البرنامج لمدة عشرة أسابيع، بما يسمح بإجراء اختبارات قبلية وبعدية ضمن الفصل الدراسي.
أجرينا تجربتين: الأولى مع أطفال في مرحلة ما قبل المدرسة (من 4 إلى 5 سنوات) الذين بدأوا تعلم القراءة للتو، والثانية مع أطفال أكبر سنًا (7 إلى 8 سنوات) كانوا يواجهون صعوبات في القراءة. وفي كلتا التجربتين تمت مقارنة هذا البرنامج ببرنامج تقليدي لتعليم الوعي الفونولوجي، بالإضافة إلى مجموعة ضابطة.
النتائج كانت مشجعة للغاية. فقد أظهر الأطفال، سواء المبتدئون أو الذين يعانون من صعوبات، تحسنًا أكبر في القراءة عند خضوعهم لتدريب الإيقاع اللغوي مقارنة بالمجموعات الأخرى. وهذا يشير إلى أن تدريب حس الإيقاع يمكن أن يكون فعالًا في مراحل مختلفة من تعلم القراءة، سواء في بداياتها أو بعد بدء التعليم الرسمي.
ومن أبرز ما لفت انتباهنا أن الأطفال الذين يعانون من صعوبات في القراءة استفادوا بشكل واضح من هذا التدريب، وهو ما يُعد نتيجة مهمة، لأنه يفتح الباب أمام طريقة بديلة لمساعدتهم على اكتساب مهارات القراءة بشكل أكثر فاعلية.
لاحقًا، ظهرت دراسات أخرى تدعم هذه النتائج وتؤكد فاعلية تدريب الإيقاع مع القراء الذين يواجهون صعوبات. لكن لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث، خصوصًا فيما يتعلق بتأثير هذا النوع من التدريب على الأطفال في المراحل الأولى من تعلم القراءة.
ما تضيفه نتائجنا هو أن تدريب الإحساس بإيقاع الكلام لا يقتصر على الأطفال المتأخرين في القراءة، بل يمكن أن يكون فعالًا منذ البداية، أي في المراحل الأولى من التعليم الابتدائي.
وهذا يفتح آفاقًا جديدة في مجال تعليم القراءة، وقد يسهم مستقبلًا في تطوير أساليب تعليمية أكثر فعالية داخل المدارس، وهو ما بدأ بالفعل العمل عليه من خلال برامج جديدة تدمج تدريب الإيقاع ضمن تعليم القراءة.
