بقلم: مارك بارثولوميو وصموئيل بيشر
يقضي الأمريكيون قدرًا لافتًا من الوقت في التسوق — أكثر مما يقضونه في التعليم أو العمل التطوعي أو حتى التحدث عبر الهاتف. لكن طريقة تسوقهم تشهد تحولًا جذريًا، مع تسابق المنصات الكبرى وتجار التجزئة نحو أتمتة اتخاذ القرارات التجارية.
يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي بالفعل البحث عن المنتجات، والتوصية بالخيارات، بل وحتى إتمام عمليات الشراء نيابةً عن المستهلك. ومع ذلك، لا يزال كثير من المتسوقين مترددين في تسليم زمام الأمور بالكامل. فعلى الرغم من أن العديد من المستهلكين يقرّون باستخدام نوع من المساعدة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، فإن معظمهم يقولون حاليًا إنهم لا يرغبون في أن يقوم وكيل ذكي بإتمام عملية شراء بشكل مستقل، وفقًا لاستطلاع حديث أجرته شركة الاستشارات Bain & Company.
وبصفتنا باحثين ندرس تقاطع القانون والتكنولوجيا، فقد تابعنا التوسع السريع للتجارة المدعومة بالذكاء الاصطناعي. وتُظهر أبحاثنا أنه من دون تحديث الأطر القانونية، فإن هذا التحول نحو التجارة المؤتمتة قد يؤدي بهدوء إلى تآكل الفوائد الاقتصادية والنفسية والاجتماعية التي يجنيها الأفراد من التسوق وفق شروطهم الخاصة.
ليحذر المشتري
يرتبط جزء من تردد المتسوقين بمخاوف الخصوصية. فكثيرون غير مستعدين لمشاركة معلومات شخصية أو مالية حساسة مع منصات الذكاء الاصطناعي. لكن الأعمق من ذلك هو رغبة الناس في الشعور بالتحكم في اختياراتهم الشرائية. فعندما لا يتمكن المستخدمون من فهم المنطق وراء توصيات المنتجات التي تقدمها الخوارزميات، ينخفض مستوى الثقة والرضا لديهم.
كما يتردد المتسوقون في التخلي عن استقلاليتهم. ففي إحدى الدراسات التي تناولت حجز خطط السفر، اختار المشاركون عمدًا خيارات لا تتماشى مع تفضيلاتهم المعلنة عندما أُبلغوا بأن اختياراتهم يمكن التنبؤ بها — في محاولة لإعادة تأكيد استقلالهم.
وتؤكد تجارب أخرى أنه كلما شعر العملاء بأن قراراتهم الشرائية تُنتزع منهم، زاد ترددهم في قبول مساعدة الذكاء الاصطناعي في الشراء.
وعلى الرغم من توقع تحسن هذه التقنيات، فقد سُجلت بعض الإخفاقات التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة. فقد ذكرت صحيفة وول ستريت جورنال قصة آلة بيع تعمل بالذكاء الاصطناعي تكبدت خسائر وقامت بتخزين سمكة حية. كما وثّقت مجلة Wired عيوبًا في التصميم، مثل وكيل ذكي استغرق 45 ثانية كاملة لإضافة البيض إلى سلة تسوق أحد العملاء.
الدافع التجاري للتسوق بالذكاء الاصطناعي
لدى المستهلكين أسباب وجيهة للحذر. فالوكلاء الأذكياء لا يُصممون للمساعدة فقط، بل للتأثير أيضًا. إذ تُظهر الأبحاث أن هذه الأنظمة يمكنها تشكيل التفضيلات، وتوجيه الاختيارات، وزيادة الإنفاق، وحتى تقليل احتمالية إرجاع المنتجات.
وتروّج الشركات لهذه القدرات بقوة. فشركة Salesforce، على سبيل المثال، تروج لوكلاء ذكاء اصطناعي يمكنهم “زيادة المبيعات بسلاسة”، بينما تشير Mastercard إلى أن مساعدها Shopping Muse يحقق معدلات تحويل أعلى بنسبة تتراوح بين 15% و20% مقارنة بعمليات البحث التقليدية — أي دفع المتسوقين من مرحلة التصفح إلى إتمام الشراء.
وبالنسبة للشركات، فإن الجاذبية واضحة. فمن تطبيق Rufus التابع لأمازون إلى دعم العملاء لدى Walmart، وصولًا إلى عربات التسوق المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تسارع الشركات إلى دمج هذه الأدوات في تجربة التسوق.
ويُروَّج لمساعدين يحملون أسماء مثل Sparky وRalph باعتبارهم مستقبل تجارة التجزئة، فيما يدعو خبراء التكنولوجيا الشركات إلى الاستعداد لعصر “التسوق القائم على الوكلاء”.
لكن القلق الحقيقي ليس في أن تفشل هذه الأنظمة، بل في أن تنجح بشكل مفرط.
الجانب الإنساني في التسوق
تقدم وكلاء التسوق بالذكاء الاصطناعي بالفعل مزايا كبيرة.
فهي تستطيع فحص عدد هائل من المنتجات في ثوانٍ، ومقارنة الأسعار بين البائعين، وتتبع الخصومات عبر الزمن، وفرز آلاف المراجعات، وتخصيص التوصيات وفق تفضيلات المستخدم واحتياجاته. بل ويمكنها قراءة شروط الخدمة وسياسات الخصوصية، ومساعدة المستهلكين على اكتشاف البنود غير المواتية.
لكن هناك ما هو أكثر من ذلك على المحك.
فإلى جانب الخصوصية والتحكم، تنطوي هذه الأدوات على مخاطر عاطفية غالبًا ما يتم تجاهلها، مثل القضاء على متعة الترقب. فقد أظهر علماء النفس أن الفترة بين اختيار الشراء واستلامه تولد قدرًا كبيرًا من السعادة — أحيانًا أكثر من المنتج أو التجربة نفسها. نحن نحلم برحلتنا القادمة، أو بالملابس التي طلبناها، أو بالوجبة التي خططنا لها. أما الشراء المؤتمت فيهدد بتجريدنا من هذه المتعة.
ويرتبط هذا الترقب بقيمة أخرى، هي الإحساس بالاختيار الشخصي والمسؤولية الأخلاقية. فحتى قرارات التسوق البسيطة تمنح الناس فرصة للتعبير عن أحكامهم وقيمهم. كثيرون يختارون عمدًا شراء قهوة تجارة عادلة، أو مستحضرات تجميل خالية من القسوة، أو منتجات صديقة للبيئة. كما تسهم العلامات التجارية والمنتجات التي نختارها في تشكيل هويتنا.
وفوق ذلك، يحمل التسوق بعدًا اجتماعيًا. فنحن نتسوق مع الأصدقاء، ونتحدث مع الباعة، ونشتري لمن نحب. هذه التفاعلات اليومية تسهم بشكل كبير في رفاهنا.
وينطبق الأمر نفسه على تقديم الهدايا. فاختيار هدية يتطلب توقع تفضيلات الآخر، وبذل جهد في البحث، والإدراك بأن قيمة اللفتة لا تقل عن قيمة الهدية نفسها. وعندما يُفوَّض هذا الأمر لنظام مؤتمت، قد تتحول الهدية إلى مجرد عملية توصيل، بدلًا من أن تكون تعبيرًا ذا معنى عن الاهتمام.
الحفاظ على الدور الإنساني
من المرجح أن تصبح وكلاء التسوق بالذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية، وقد بدأت النقاشات التنظيمية تلحق بهذا التطور، وإن بشكل غير متكافئ.
وتبرز الشفافية كقضية محورية. فقد أظهرت التجارب السابقة مع أنظمة التوصية أن تضارب المصالح غير المُفصح عنه يمثل خطرًا حقيقيًا. وقد اقترح الاتحاد الأوروبي إطارًا للإفصاح حول اتخاذ القرارات المؤتمتة، رغم تأجيل تطبيقه مؤخرًا. وفي الكونغرس الأمريكي، يدرس المشرعون مشاريع قوانين تلزم الشركات بالكشف عن كيفية تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
حتى الآن، يبدو أن المستهلكين يرغبون في تحديد مستوى انخراطهم بأنفسهم — وهو ما يشير إلى أن التسوق، بالنسبة لكثيرين، ليس مجرد وسيلة فعالة لتلبية التفضيلات. وربما يبقى السؤال الأهم والأكثر غموضًا: هل ستُصمم أدوات التسوق بالذكاء الاصطناعي وتُنظَّم بما يخدم مصالح المستخدمين وازدهارهم الإنساني، أم سيتم تحسينها — كما حدث مع كثير من الأدوات الرقمية قبلها — لخدمة أرباح الشركات بالدرجة الأولى؟
