بقلم: كيا رايمير وساندرا بيتر
أعلنت شركتا ميتا ومايكروسوفت مؤخرًا عن تقليصات كبيرة في أعداد موظفيهما حول العالم، في الوقت الذي تضخّان فيه استثمارات ضخمة في الذكاء الاصطناعي. للوهلة الأولى، يبدو الربط بين الأمرين منطقيًا، لكن الصورة في الواقع أكثر تعقيدًا.
في ميتا، أوضحت المسؤولة عن شؤون الموظفين أن خفض عدد العاملين — والذي شمل نحو 10% من القوة العاملة — يأتي في إطار إعادة توجيه الموارد لدعم استثمارات أخرى، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي. وكان مارك زوكربيرغ قد تحدث سابقًا عن تسارع كبير في هذا المجال، مع خطط إنفاق هائلة خلال العام.
أما مايكروسوفت، فهي الأخرى تسير في الاتجاه ذاته، وقد أعلنت عن برامج تقاعد مبكر لجزء من موظفيها في الولايات المتحدة، في خطوة تعكس إعادة ترتيب أولوياتها.
هذه التحركات ليست استثناءً، بل تأتي ضمن موجة أوسع في قطاع التقنية، حيث اتخذت شركات أخرى قرارات مشابهة، مع الإشارة إلى الذكاء الاصطناعي كعامل مؤثر، دون أن يكون السبب الوحيد.
لفهم ما يحدث، يمكن النظر إلى المسألة من ثلاث زوايا رئيسية:
أولًا: تحول جذري في طبيعة العمل
يرى هذا الاتجاه أن ما نشهده اليوم هو بداية تغير عميق، حيث يتطور الذكاء الاصطناعي ليؤدي مهام ذهنية كانت حكرًا على البشر. ووفق هذا التصور، فإن تسريحات الوظائف ليست مجرد إعادة هيكلة، بل مؤشرات مبكرة على تحوّل واسع في سوق العمل.
وقد شبّه بعض رواد الأعمال هذه اللحظة بالفترة التي سبقت انتشار جائحة كورونا، معتبرين أن العالم يقف على أعتاب «انفجار في الذكاء». ورغم ما في هذا الطرح من مبالغة، إلا أنه يعكس قلقًا حقيقيًا، خاصة في مجالات مثل تطوير البرمجيات، حيث بدأ الذكاء الاصطناعي يغير بالفعل طريقة العمل.
ومع ذلك، فإن تعميم هذا التحول على جميع الوظائف المكتبية يبدو مبالغًا فيه، إذ إن كثيرًا من الأعمال تعتمد على مهارات بشرية معقدة يصعب أتمتتها بسهولة.
ثانيًا: تصحيح مبالغات سابقة
في المقابل، يرى اتجاه آخر أن الذكاء الاصطناعي يُستخدم أحيانًا كذريعة لتبرير تسريحات كان لا بد منها. فخلال فترة الجائحة، توسعت شركات التقنية في التوظيف بشكل كبير، ومع تراجع النمو، أصبحت بحاجة إلى خفض التكاليف.
وبالتالي، قد يكون ربط هذه القرارات بالذكاء الاصطناعي مجرد طريقة أكثر قبولًا لتفسيرها، خصوصًا في نظر المستثمرين. كما أن بعض المشاريع السابقة لم تحقق النتائج المرجوة، ما دفع الشركات إلى إعادة تقييم استثماراتها.
ثالثًا: إعادة تشكيل طريقة العمل
أما الرؤية الأكثر توازنًا، فترى أن الذكاء الاصطناعي أداة قوية بالفعل، لكنه لا يحل محل البشر بقدر ما يغيّر طريقة عملهم.
وفق هذا المنظور، لا تمتلك الشركات تصورًا كاملًا لكيفية الاستفادة القصوى من الذكاء الاصطناعي بعد، لكنها تدرك أن التغيير قادم. لذلك، تقوم بتقليص عدد الموظفين، مع الإبقاء على نفس مستوى الإنتاج، ما يدفع الفرق إلى البحث عن طرق أكثر كفاءة للعمل باستخدام هذه الأدوات.
الهدف هنا ليس الاستغناء عن الإنسان، بل دفعه إلى العمل بطرق أكثر إنتاجية.
ماذا يعني ذلك للموظفين؟
في الحقيقة، هذه التفسيرات لا تتعارض بقدر ما تتكامل. فما يحدث اليوم هو مزيج من تحول تقني، وضغوط اقتصادية، وتجربة لأساليب عمل جديدة.
وغالبًا ما يكون قطاع البرمجيات أول من يعكس هذه التغيرات، قبل أن تمتد إلى مجالات أخرى.
ما يمكن الجزم به هو أن الذكاء الاصطناعي أصبح عاملًا مهمًا في رفع الإنتاجية، لكن الاستفادة منه ليست متساوية بين الجميع. لذلك، أصبحت القدرة على فهم هذه الأدوات واستخدامها بذكاء مهارة أساسية في سوق العمل.
الأكثر عرضة للمخاطر ليسوا فقط من يمكن استبدالهم، بل من يتأخرون في التكيف مع هذا الواقع الجديد.
وخلال السنوات القليلة القادمة، سيتضح ما إذا كان الذكاء الاصطناعي مجرد موجة مبالغ فيها، أم قوة حقيقية تعيد تشكيل سوق العمل.
وإذا أردنا استشراف المستقبل، فالأهم ليس عدد الوظائف التي تختفي، بل نوعية الوظائف التي تظهر بدلًا منها.
