بقلم: توبي والش
أمضى سارق البنوك الأمريكي الشهير ويلي ساتون أربعة عقود من حياته في السطو على البنوك، لا لسبب معقد، بل لأنه كان يستمتع بذلك، كما قال في مذكراته. وعندما سُئل عن سر اختياره البنوك تحديدًا، جاء جوابه بسيطًا ومباشرًا: «لأن المال هناك».
قبل سنوات، لم يكن هذا المنطق حكرًا على اللصوص التقليديين. فقد برزت توقعات بأن الذكاء الاصطناعي نفسه قد يدخل هذا المجال يومًا ما. واليوم، يبدو أن هذا الاحتمال لم يعد بعيدًا. فالمؤسسات المصرفية حول العالم بدأت تأخذ على محمل الجد فكرة أن مجرمي الإنترنت قد يستخدمون أدوات ذكاء اصطناعي متقدمة لاختراق أنظمتها والوصول إلى أموالها.
المدخل الخفي إلى الخزائن الرقمية
مصدر القلق الأساسي يكمن في نموذج ذكاء اصطناعي متطور يُعرف باسم ""Mythos""، طورته شركة Anthropic، المعروفة أيضًا بتطوير روبوت الدردشة Claude. يتميز هذا النموذج بقدرات سيبرانية متقدمة للغاية، لدرجة أنه لم يُطرح حتى الآن للاستخدام العام.
السبب في ذلك أن الشركة، إلى جانب جهات أخرى، ترى أن إطلاق نموذج بهذه القوة دون قيود قد يحمل مخاطر جسيمة. فقد أظهرت الاختبارات الداخلية للنموذج قدرته على اكتشاف آلاف الثغرات الأمنية الخطيرة في مختلف أنظمة التشغيل ومتصفحات الإنترنت.
واللافت أن بعض هذه الثغرات ظل مخفيًا لعقود طويلة، فيما يُعرف جزء كبير منها بـ""ثغرات اليوم الصفري""، وهي نقاط ضعف خطيرة تستدعي إصلاحًا فوريًا قبل أن تُستغل.
استخدام محدود وتحت الرقابة
في محاولة للحد من المخاطر، لم تطرح الشركة النموذج للعامة، بل أتاحت الوصول إليه لعدد محدود من الشركاء ضمن تحالف تقني يضم شركات كبرى مثل مايكروسوفت وأمازون وآبل وسيسكو، إلى جانب مؤسسة لينكس.
كما خصصت الشركة استثمارات كبيرة لدعم جهود اكتشاف الثغرات ومعالجتها، سواء عبر أرصدة استخدام أو منح لمشاريع مفتوحة المصدر.
إلى جانب ذلك، حصلت عشرات الجهات الأخرى، من بينها بعض البنوك الأمريكية، على إمكانية الوصول إلى النموذج. غير أن غياب بنوك من مناطق أخرى مثل أوروبا والمملكة المتحدة وأستراليا عن هذه القائمة يثير تساؤلات إضافية.
وزاد القلق بعد تقارير تحدثت عن وصول غير مصرح به من قبل مجموعة صغيرة من المستخدمين إلى النموذج، رغم عدم وجود أدلة حتى الآن على استخدامه بشكل ضار.
هل هناك ما يدعو للقلق؟
خلال اجتماعات دولية حديثة لصناع القرار والجهات التنظيمية، برز هذا الموضوع كأحد التهديدات الناشئة التي تستحق الانتباه. فالبنوك تظل هدفًا مغريًا، ليس فقط لأنها تحتفظ بالأموال، بل لأنها تعتمد أيضًا على أنظمة تقنية قديمة نسبيًا، ما يجعلها أكثر عرضة للهجمات الحديثة.
مع ذلك، لا يبدو أن الأفراد بحاجة إلى القلق المفرط. ففي العديد من الدول، توجد أنظمة حماية قوية تضمن تعويض العملاء في حال وقوع عمليات احتيال لا يتحملون مسؤوليتها.
لذلك، لا مبرر لاتخاذ إجراءات متطرفة مثل سحب الأموال والاحتفاظ بها خارج النظام المصرفي. لكن في المقابل، من الضروري أن تستمر البنوك في تعزيز أنظمتها وسد ثغراتها بأسرع وقت ممكن.
أما على المستوى الشخصي، فمن الحكمة الالتزام بتحديث الأجهزة والتطبيقات بشكل منتظم، والانتباه لمحاولات الاحتيال الإلكتروني، خاصة تلك التي تستهدف سرقة البيانات المصرفية عبر الرسائل أو البريد الإلكتروني.
سباق لا ينتهي بين الهجوم والدفاع
تكشف هذه التطورات عن حقيقة جوهرية: حماية الأنظمة أصعب بكثير من اختراقها. فالبرمجيات الحديثة معقدة للغاية، ومن شبه المستحيل ضمان خلوها التام من الأخطاء.
وهذا يعني أننا نعيش في سباق مستمر لاكتشاف الثغرات وإصلاحها قبل أن يستغلها المهاجمون.
حتى المبادرات الجديدة، مثل تطبيقات التحقق من العمر التي بدأت بعض الجهات بإطلاقها لتنظيم الوصول إلى المحتوى الرقمي، لم تسلم من الثغرات، إذ تمكن الخبراء من اكتشاف نقاط ضعف فيها خلال وقت قصير من إطلاقها.
في بعض الحالات الحساسة، تُبذل جهود لإثبات سلامة البرمجيات بشكل رياضي صارم، كما في بعض المشاريع التي تهدف إلى ضمان أمان تطبيقات المراسلة وحماية خصوصية المستخدمين. لكن هذه الجهود لا تزال محدودة، وليست القاعدة العامة.
وربما يحمل المستقبل مفارقة لافتة: فكما أسهم الذكاء الاصطناعي في تعقيد المشهد الأمني، قد يكون هو نفسه جزءًا من الحل في تعزيز أمن الأنظمة الرقمية.
