القائمة الرئيسية

إلى أين يتجه الاستثمار العالمي: ما تقوله البيانات عن الابتكار الرقمي والانتقال في قطاع الطاقة

إلى أين يتجه الاستثمار العالمي: ما تقوله البيانات عن الابتكار الرقمي والانتقال في قطاع الطاقة
ملخص المقال

يناقش مقال بقلم مجموعة من الباحثين التحولات في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، مع تزايد توجهه نحو قطاعات التكنولوجيا الرقمية والطاقة النظيفة وما لذلك من أثر محتمل على خلق الوظائف عالميًا. ويعرض أمثلة من فيتنام، مثل تعاون NVIDIA في إنشاء مركز للذكاء الاصطناعي ومشاريع البطاريات الكهربائية، بوصفها جزءًا من هذا التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون ومبني على الابتكار. ويشير إلى أن هذه الاستثمارات تنمو بقوة لكنها تتركز في الاقتصادات المتقدمة، بينما تتراجع حصة الأسواق الناشئة نسبيًا رغم بروز بعض المناطق كمراكز إقليمية لإعادة توجيه الاستثمار داخل الجنوب العالمي. ويخلص المقال إلى أن الاستثمار الأجنبي بات يسعى لصناعة النمو المستقبلي بدلًا من مجرد اتباعه، مع ما يحمله ذلك من فرص كبيرة ومخاطر متزايدة على فجوات التنمية بين الدول.

في ديسمبر 2024، في هانوي، وقّعت شركة NVIDIA، التي تُعد حديثًا أول شركة في العالم تصل قيمتها إلى 5 تريليونات دولار، اتفاقًا مع حكومة فيتنام لإنشاء مركز فيتنام للبحث والتطوير. وسيكون هذا المرفق منصة تمكّن NVIDIA من توسيع شراكاتها مع أبرز شركات التكنولوجيا في فيتنام، ودعم البلاد في تدريب الكفاءات اللازمة لتطوير الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية.

وفي مكان غير بعيد، تتعاون شركة السيارات الفيتنامية Kim Long Motor مع شركة BYD الصينية لبناء مصنع لبطاريات السيارات الكهربائية بقيمة 130 مليون دولار على مساحة تبلغ نحو 4.4 هكتار في وسط فيتنام. وتعكس هذه التطورات الأخيرة في فيتنام تحولًا أوسع في تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميًا نحو قطاعات تقود الابتكار التكنولوجي والنمو المستدام منخفض الكربون. والأهم من ذلك، أنها قد تشير أيضًا إلى إعادة تشكيل وشيكة في خلق الوظائف: توسّع في الفرص، لكنه قد يكون غير متكافئ بين الاقتصادات.

تُظهر بيانات من منصة fDi Markets التابعة لصحيفة Financial Times أن الاستثمارات المعلنة في المشاريع الجديدة (greenfield) في مجالي المناخ والانتقال في الطاقة قد شهدت ارتفاعًا مطردًا خلال السنوات الماضية، لتصل إلى ذروتها في عام 2023 عند 600 مليار دولار أمريكي (الشكل 1). وخلال هذه الفترة، ارتفعت الحصة العالمية لهذه الاستثمارات من 12% في عام 2016 إلى 42% في عام 2023، وهو تحول يرتبط بشكل كبير بتوسع الاستثمارات المتوقعة في الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة.

وفي الوقت نفسه، أظهرت الاستثمارات الرقمية—التي تشمل مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية—اتجاهًا تصاعديًا قويًا، حيث ارتفعت حصتها من 9% في عام 2016 إلى 38% في عام 2025.

لكن نمو الاستثمار الأجنبي المباشر لا يحدث بالتساوي حول العالم؛ بل يعكس تفاوتًا حادًا من حيث المناطق والقطاعات. إذ تهيمن الاقتصادات المتقدمة في أمريكا الشمالية وأوروبا وشرق آسيا على الحصة الإجمالية من الاستثمارات، وغالبًا ما يكون ذلك مدفوعًا بمشاريع كثيفة رأس المال في مجالي التكنولوجيا الرقمية والطاقة (الشكل 2).

في الواقع، انخفض متوسط حصة الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية من الاستثمارات الأجنبية المباشرة المعلنة من 58% إلى 47% خلال الفترة 2021–2025 مقارنة بالسنوات الخمس السابقة، ما يشير إلى أن الاستثمار يتجه بشكل أكبر نحو الاقتصادات المتقدمة، وأن المنافسة أصبحت أكثر شدة في السنوات الأخيرة. وتشهد أسواق ناشئة مثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAAP) معدلات نمو كبيرة في استثمارات الانتقال في قطاع الطاقة، رغم أن أداءها في التكنولوجيا الرقمية لا يزال محدودًا.

أما الاقتصادات الناشئة في أفريقيا جنوب الصحراء وأوروبا وآسيا الوسطى فهي في مرحلة “مواكبة اللحاق” في التكنولوجيا الرقمية، مع حصص استثمارية ونمو أقل؛ وينطبق الأمر ذاته على جنوب آسيا في ما يتعلق بالاستثمار المناخي وانتقال الطاقة. الخلاصة؟ يتدفق الاستثمار الأجنبي المباشر إلى بؤر محددة، تاركًا العديد من الدول، خصوصًا النامية والناشئة، في سباق صعب للحاق بركب استقطاب الاستثمارات في ما يُعرف بالتقنيات المزعزعة (disruptive technologies).

في المقابل، لم تعد الاقتصادات الناشئة مجرد وجهات للاستثمار الأجنبي المباشر، بل أصبحت أيضًا مصادر أو نقاط ربط لرؤوس الأموال عبر دول الجنوب العالمي. ففي كل من الاستثمارات الرقمية والمناخية، تُظهر عدة مناطق من الاقتصادات الناشئة معدلات نمو أعلى بشكل غير متناسب في الاستثمارات الخارجية في المشاريع الجديدة (الشكل 3).

تبرز شرق آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأفغانستان وباكستان (MENAAP) في المجال الرقمي، بينما تتصدر منطقة MENAAP وأوروبا وآسيا الوسطى وأفريقيا جنوب الصحراء في الاستثمارات المناخية. ومع النتائج السابقة المتعلقة بالتدفقات الداخلة، تبدو هذه المناطق وكأنها تعمل كمراكز إقليمية توجه الاستثمارات إلى أسواق نامية أخرى. ومن الجدير بالذكر أن هذا التحول تقوده عدد محدود من المشاريع الضخمة، ما يعكس شبكة بطيئة لكنها متعمقة من الاستثمار بين دول الجنوب (South-South FDI).

ستؤثر التحولات الأخيرة في الاستثمار الأجنبي المباشر في المشاريع الجديدة على الوظائف والنمو قريبًا. وبشكل ضمني، تُظهر هذه الاتجاهات أن المستثمرين يراهنون بوضوح على الطلب المستقبلي وليس الدخل الحالي، من خلال توجيه رأس المال نحو البنية التحتية الرقمية والاقتصاد منخفض الكربون، وهي مجالات لا تزال عوائدها غير مؤكدة، وغير تقليدية، وترتبط بأسواق لا تزال في طور التشكل. وهذا يرفع مستوى المخاطر: إذ تعتمد العوائد على تدفق البيانات، وشبكات الطاقة، والمهارات، وسياسات قادرة على اللحاق بسرعة بالتطور.

أما الجانب الإيجابي فهو كبير: وظائف جديدة، وقدرات جديدة، ومسارات نمو جديدة. لكن المخاطر حقيقية أيضًا، بدءًا من الأصول العالقة (stranded assets) وصولًا إلى اتساع الفجوة بين الاقتصادات القادرة على استيعاب هذه الاستثمارات وتلك غير القادرة. ومن الواضح أن الاستثمار الأجنبي المباشر لم يعد يتبع النمو فقط؛ بل أصبح يسعى إلى صناعته.

المصدر

مقالات ذات صلة