بقلم: ريم حشاد، فريدريك مونير ولور لو غال
تواصل ريادة الأعمال تشكيل الاقتصادات من خلال إدخال أفكار جديدة، وتعزيز الإنتاجية، وخلق فرص العمل. وتُعد ريادة الأعمال أحد المحركات الأساسية في أجندة مجموعة البنك الدولي للوظائف، لأن الشركات الجديدة والنامية تمثل المحرك الرئيسي لتحويل الاستثمارات وفرص السوق إلى وظائف جديدة صافية وفرص عمل ذات جودة أفضل. وتعمل هذه المحركات وفق ما يُعرف بـ«التدمير الخلّاق»؛ وهو مفهوم أسّسه جوزيف شومبيتر، وأعاد إدخاله إلى التيار الاقتصادي الرئيسي الفائزان بجائزة نوبل لعام 2025 فيليب أغيون وبيتر هاويت، حيث تتفوق الشركات الجديدة على الشركات القائمة وتزيحها من السوق، بينما تجعل الصناعات الجديدة الصناعات القديمة غير ذات جدوى.
ومع ذلك، يختلف معدل وحجم إنشاء الشركات الجديدة وإغلاقها بشكل كبير بين الدول وعبر الزمن. وفهم أماكن ازدهار ريادة الأعمال وتراجعها يوفّر رؤى مهمة حول الديناميكية الاقتصادية الأوسع وقدرة الاقتصادات على الصمود.
توفر قاعدة بيانات ريادة الأعمال التابعة لمجموعة البنك الدولي منظورًا عالميًا لهذه الاتجاهات. وتعتمد هذه القاعدة على بيانات إدارية يتم جمعها مباشرة من سجلات الأعمال والهيئات الإحصائية الوطنية، وتتابع النشاط الريادي الرسمي في 188 اقتصادًا خلال الفترة من 2006 إلى 2024. ومنذ إطلاقها، أصبحت المصدر الوحيد المتسق والقابل للمقارنة عالميًا لقياس إنشاء الأعمال الجديدة.
تركز قاعدة البيانات على القطاع الرسمي، وتقيس كثافة دخول الأعمال الجديدة، أي عدد الشركات ذات المسؤولية المحدودة المسجلة حديثًا لكل 1000 من السكان في سن العمل سنويًا، بالإضافة إلى كثافة إغلاق الأعمال، أي عدد الشركات المشطوبة من السجلات لكل 1000 من السكان في سن العمل خلال السنة.
وفيما يلي أبرز النتائج من الإصدار الثامن لقاعدة بيانات ريادة الأعمال التابعة لمجموعة البنك الدولي.
شهد النشاط الريادي ارتفاعًا عالميًا خلال العقدين الماضيين، حيث ارتفع عدد الشركات ذات المسؤولية المحدودة المسجلة حديثًا بنسبة 50% لكل 1000 من السكان في سن العمل، من 2.9 في عام 2006 إلى 4.3 في عام 2024. وتُظهر البيانات كيف يتفاعل النشاط الريادي مع فترات التباطؤ الاقتصادي. خلال الأزمة المالية عام 2008، حدث انخفاض أولي في إنشاء الشركات، تبعه ارتفاع في إغلاق الشركات خلال السنوات اللاحقة. ومع جائحة كوفيد-19، توقف إنشاء الأعمال في عام 2020، ثم عاد للارتفاع عالميًا في السنوات التالية. أما إغلاقات الشركات فقد شهدت انخفاضًا طفيفًا في عام 2022 بفضل برامج الدعم الحكومي المؤقتة، لكنها عادت للارتفاع بعد ذلك. ويظهر التحليل أن مستوى الدخل يلعب دورًا محوريًا في تشكيل ديناميكيات ريادة الأعمال.
خلال جائحة كوفيد-19، شهدت الاقتصادات مرتفعة الدخل انخفاضًا طفيفًا في دخول الأعمال، حيث تراجعت كثافة الشركات الجديدة من 6.1 في عام 2019 إلى 5.8 في عام 2020، ثم تعافت بقوة لتصل إلى نحو 7.2 شركة جديدة لكل 1000 من السكان في سن العمل في عام 2021. وتُظهر الاقتصادات متوسطة الدخل الأعلى نمطًا مشابهًا، إذ انخفضت من 3.4 في 2019 إلى 3.1 في 2020، ثم ارتفعت إلى 4.2 في 2021. أما الاقتصادات متوسطة الدخل الأدنى، فتُظهر نموًا أكثر استقرارًا لكنه أبطأ، حيث ارتفع إنشاء الشركات من 0.5 في عام 2006 إلى 1.7 في عام 2024، رغم التباطؤات المؤقتة خلال الأزمات. في المقابل، تُظهر الدول منخفضة الدخل تقلبًا محدودًا لكنها تبقى راكدة إلى حد كبير عند مستويات منخفضة من ريادة الأعمال الرسمية.
تستمر الفجوات الكبيرة في النشاط الريادي بين مجموعات الدخل في عام 2024. إذ تسجل الاقتصادات مرتفعة الدخل معدلات إنشاء شركات جديدة أعلى بنحو عشر مرات مقارنة بالدول منخفضة الدخل، مما يعكس فجوات هيكلية مستمرة في تأسيس الأعمال الرسمية. ولا تزال الفجوة المطلقة واسعة، ما يبرز التحديات المستمرة التي تواجهها الدول منخفضة الدخل في توسيع النشاط الريادي.
يتأثر مستوى ريادة الأعمال بمجموعة واسعة من العوامل، من بينها جودة تنظيمات الأعمال. ويُعد إصلاح بيئة الأعمال لتسهيل بدء المشاريع أحد الأدوات السياساتية التي تعزز إنشاء الشركات الجديدة عالميًا. وكما يوضح الشكل 3، فإن الاقتصادات التي تتمتع بدرجات أعلى في سهولة دخول الأعمال، وفقًا لتقرير «بيزنس ريدي 2025»، سجلت مستويات أعلى من إنشاء الشركات الجديدة في عام 2024. وفي النهاية، يتطلب تعزيز ريادة الأعمال سياسات مكملة تؤثر في قرار الفرد ببدء مشروع، مثل تحسين الوصول إلى التمويل، وتدريب الأفراد على المبادرة والمهارات الشخصية، إضافة إلى تحسين الوصول إلى الأسواق والمدخلات الإنتاجية.
