بقلم: ستيفان غيمبيرت وماريا صراف
التحدي
في القاهرة، ومع حلول شهر سبتمبر من كل عام، تُغلق العائلات نوافذها، ويزداد قلق الآباء على سعال أطفالهم، ويستعد العاملون في الهواء الطلق لأسابيع من الضباب الكثيف وروائح الحرق. أصبح موسم «السحابة السوداء»، الممتد من سبتمبر إلى ديسمبر، جزءًا من الحياة اليومية في العاصمة المصرية. وخلال هذه الفترة، تؤدي الانبعاثات الناتجة عن الحرق المكشوف لقش الأرز إلى تفاقم التلوث الناتج عن حرق المخلفات الصلبة ووسائل النقل والأنشطة الصناعية، مما يرفع مستويات تلوث الهواء إلى حدود خطرة.
يسهم تلوث الهواء في الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب والأوعية الدموية، فضلًا عن الأمراض المزمنة والوفيات المبكرة. وفي عام 2020 وحده، تسبب تلوث الهواء في 5.7 مليون وفاة على مستوى العالم، ليصبح ثاني أكبر عامل خطر يؤدي إلى الوفاة، بما في ذلك بين الأطفال دون سن الخامسة.
في القاهرة الكبرى، لا يُعد التلوث مجرد رقم في الإحصاءات، بل هو جزء من تفاصيل الحياة اليومية. وتُعد آثاره الصحية شديدة الخطورة. ففي عام 2017، قُدّر عدد الوفيات المبكرة السنوية في مصر نتيجة التعرض للجسيمات الدقيقة PM2.5 بنحو 12,600 حالة. وتشير PM2.5 إلى جسيمات دقيقة لا يتجاوز قطرها 2.5 ميكرومتر، وهي صغيرة بما يكفي لاختراق أعماق الرئتين والوصول إلى مجرى الدم، مما يزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والجهاز التنفسي والوفاة المبكرة. وتُقدَّر التكلفة السنوية للآثار الصحية لتلوث الهواء في مصر بنحو 1.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي خسائر تنعكس في زيارات المستشفيات وتكاليف العلاج، إضافة إلى انخفاض الإنتاجية وتراجع الدخل وتأثيرات طويلة الأمد على رأس المال البشري.
التحول نحو الاستجابة المبكرة
تعمل السلطات المصرية، بدعم من البنك الدولي، على اتخاذ إجراءات واضحة ومنسقة لمواجهة هذا التحدي، من خلال الانتقال من الاستجابات المؤقتة للأزمات إلى نهج وقائي منظم.
في عام 2025، ظهرت مؤشرات أولية على تحسن خلال موسم السحابة السوداء. ولم يكن هذا التحسن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة إصلاحات منسقة نفذتها الحكومة بدعم من مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى الممول من البنك الدولي. وكان إدخال خطة الاستجابة التدريجية للسحابة السوداء خطوة مهمة في هذا الاتجاه، وهي خطة طورتها وزارة البيئة ضمن المشروع.
تقدم هذه الخطة مجموعة من الإجراءات الطارئة لمواجهة تلوث الهواء، تُفعّل بناءً على مستويات جودة الهواء. وبدل الانتظار حتى يصل التلوث إلى مستويات حرجة، بات بإمكان الجهات المعنية التدخل في مراحل مبكرة. ومع تدهور جودة الهواء، تُفعّل تلقائيًا إجراءات أكثر صرامة، تبدأ بتكثيف التفتيش وإدارة حركة المرور، وقد تصل عند الضرورة إلى إغلاق المدارس مؤقتًا.
وقد بدأ إطار التنسيق الجديد في إعادة تشكيل طريقة استجابة الجهات المعنية لتلوث الهواء. إذ تعمل الجهات المختلفة الآن ضمن منظومة مشتركة تستند إلى أدوار واضحة ومعلومات لحظية، ما يسهم في تعزيز المساءلة وبناء الثقة بين المؤسسات وتسريع الاستجابة وزيادة فعاليتها.
وتشمل أبرز عناصر هذا النهج تسريع الاستجابة لحوادث الحرق، وتوسيع إعادة استخدام قش الأرز، وتعزيز التواصل مع المجتمع.
انخفضت حوادث الحرق في القاهرة الكبرى والدلتا بنحو الثلثين بين عامي 2024 و2025، من حوالي 3,200 حالة إلى نحو 1,000 حالة. ويعود ذلك إلى تسريع الاستجابة وتحسين قدرات الرصد. فقد قامت جهاز شؤون البيئة بتوسيع فرق العمل الميدانية وتمديد ساعات العمل خلال أشهر الذروة، بينما حسّنت هيئة تنظيم إدارة المخلفات توزيع أسطولها. كما أسهم نظام الإنذار المبكر المعزز باستخدام بيانات الأقمار الصناعية في تحديد بؤر الحرائق بشكل فوري، ما ساعد على التدخل السريع ومنع تفاقم الحوادث الصغيرة.
أما فيما يتعلق بإعادة استخدام قش الأرز، فقد كان الحرق الموسمي لهذا القش أحد الأسباب الرئيسية للسحابة السوداء، نظرًا لغياب بدائل اقتصادية للمزارعين. ويجري العمل حاليًا على تطوير نماذج أعمال جديدة تتيح إعادة استخدام القش بدل حرقه. فعلى سبيل المثال، تقوم شركة تكنولوجيا الأخشاب في مدينة إدكو بمحافظة البحيرة بمعالجة نحو 245 ألف طن من قش الأرز سنويًا لإنتاج ألواح خشبية متوسطة الكثافة تُستخدم في الديكور والأبواب والأثاث والمطابخ.
وكان للتوعية المجتمعية وتغيير السلوك دور محوري في هذه الجهود. فقد جرى تذكير المزارعين بأن الحرق المكشوف مخالف للقانون رقم 202 لسنة 2020 ويعاقب عليه بالغرامة، كما أُبلغ المواطنون بأن الحرائق تُرصد عبر الأقمار الصناعية ويتم الإبلاغ عنها لاتخاذ الإجراءات اللازمة. وخلال الفترة من أغسطس إلى نوفمبر 2025 فقط، عُقد أكثر من 11 ألف اجتماع، استُضيف العديد منها في المساجد، لضمان مشاركة المجتمعات المحلية بشكل فعال.
ورغم أن النتائج لم تتجسد بالكامل بعد، فإن بيانات الرصد من 34 محطة مراقبة مستمرة في القاهرة الكبرى تُظهر تحسنًا واضحًا، حيث انخفضت مستويات الجسيمات PM10 من 128 ميكروغرامًا لكل متر مكعب في عام 2020 إلى 88 ميكروغرامًا في عام 2025، وهو أدنى مستوى مسجل. كما أظهرت إحدى منصات مؤشر جودة الهواء العالمية انخفاضًا بنسبة 12% بين عامي 2024 و2025، ما يعكس تحسنًا ملموسًا في جودة الهواء وانخفاض المخاطر الصحية على السكان.
استدامة التقدم من خلال إجراءات إضافية
سيواصل مشروع إدارة تلوث الهواء وتغير المناخ في القاهرة الكبرى دعم تحسين جودة الهواء في السنوات المقبلة، خاصة من خلال عدد من الاستثمارات الجارية.
يجري حاليًا إنشاء أكبر منشأة متكاملة لإدارة المخلفات في مصر بمدينة العاشر من رمضان، والتي ستقدم نماذج جديدة لاستعادة الموارد وإعادة التدوير والمعالجة، بطاقة تصل إلى 15 ألف طن من المخلفات يوميًا، مما سيسهم في الحد من الحرق المكشوف.
كما سيؤدي إدخال الحافلات الكهربائية إلى تقليل كبير في انبعاثات العادم وتحسين جودة الهواء في أكثر الممرات ازدحامًا، إضافة إلى توفير وسائل نقل أكثر أمانًا ونظافة. وقد أطلق المشروع مؤخرًا أول حافلة كهربائية للتجربة، ومن المتوقع بعد انتهاء الاختبارات تصنيع أسطول مكون من 100 حافلة محليًا، مما يوفر 300 فرصة عمل مباشرة وما يصل إلى 15 ألف فرصة عمل ضمن سلاسل الإمداد. ويجري بالفعل بحث التوسع في المشروع من خلال طرح 2000 حافلة إضافية من قبل وزارة النقل.
كما يشمل العمل توسيع شبكة رصد الجسيمات الدقيقة والكربون الأسود، وإدخال أنظمة متقدمة للتنبؤ بجودة الهواء، إلى جانب تحسين إتاحة البيانات، بما يدعم اتخاذ إجراءات تنظيمية أكثر فاعلية لحماية الصحة العامة.
ورغم أن سماء القاهرة لم تصبح صافية بالكامل بعد، فإن التقدم المحقق يشير إلى أن تلوث الهواء ليس نتيجة حتمية للنمو الاقتصادي. فمن خلال السياسات المناسبة والاستثمارات المدروسة والأنظمة الفعالة، يمكن تحقيق توازن يجمع بين هواء أنظف واقتصاد أقوى وجودة حياة أفضل.
