القائمة الرئيسية

مع مواجهة العالم لأزمة جديدة تلو الأخرى، لماذا لا يزال القادة يقاومون العمل عن بُعد؟

مع مواجهة العالم لأزمة جديدة تلو الأخرى، لماذا لا يزال القادة يقاومون العمل عن بُعد؟
ملخص المقال

يناقش مقال بقلم أنطونيو ألويزي على موقع the conversation كيف دفعت أزمة الطاقة الناتجة عن الصراع في الخليج عدداً من الدول إلى اتخاذ إجراءات صارمة مثل فرض حظر تجول، والعمل من المنزل، وتقليل أيام العمل أو ساعات التنقل، في محاولة لتخفيف استهلاك الطاقة. ويقارن المقال بين استجابات مختلفة في أفريقيا وآسيا وأوروبا، مشيرًا إلى أن العمل عن بُعد عاد بقوة كحل مؤقت لإدارة الأزمات، كما حدث في جائحة كوفيد-19، لكن دون رؤية استراتيجية طويلة المدى. ويرى أن كثيرًا من الشركات والحكومات ما زالت تتعامل مع العمل المرن بوصفه إجراءً اضطراريًا وليس تحولًا دائمًا، رغم الأدلة التي تشير إلى تحسن الإنتاجية والرفاهية عند اعتماده بشكل طوعي ومدروس. ويخلص المقال إلى أن الإصرار على النماذج التقليدية في تنظيم العمل لم يعد منطقيًا في ظل الأزمات المتكررة والتحولات الاقتصادية والبيئية، وأن المطلوب هو إعادة تصميم جذري لطريقة العمل بدل الاكتفاء بردود الفعل المؤقتة.

بقلم: أنطونيو ألويزي

عند الساعة التاسعة مساءً، تنطفئ الأنوار في المتاجر والمطاعم والمقاهي في مدينة القاهرة، حيث فُرض حظر تجول صارم للحد من صدمة الطاقة الناتجة عن الصراع في منطقة الخليج. وقد يكون تطبيق هذا الإجراء صعبًا على سكان اعتادوا أمسيات طويلة يسودها الاختلاط والحياة الاجتماعية، لكن الصورة العامة لا تبعث على الاطمئنان. فالتقارير الواردة من المناطق الداخلية تشير إلى أن محطات الوقود بدأت تنفد، ما يثير مخاوف من أن تمتد حالة الطوارئ لفترة أطول مما كان متوقعًا.

ويبدو أن بعض مناطق أفريقيا وآسيا تتقدم على أوروبا في التعامل مع ندرة الموارد، إذ تم اتخاذ إجراءات حاسمة بالفعل في عدد من الدول. ففي مصر فُرض يوم عمل إلزامي من المنزل، وفي سريلانكا تمت إضافة يوم إجازة أسبوعي، بينما اعتمدت الفلبين أسبوع عمل من أربعة أيام لموظفي القطاع العام. كما أغلقت الجامعات في بنغلاديش، وفرضت قيود على استهلاك الوقود في ميانمار، في حين شهدت جنوب السودان انقطاعات كهربائية متكررة.

ورغم أن أزمة الإمدادات قد تكون أقل حدة في أوروبا مقارنة بمناطق أخرى، فإن ذلك لا يعني أنها بمنأى عن الخطر. فقد أقر مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي دان يورغنسن بأن الوضع خطير للغاية، محذرًا من أن أوروبا تواجه أزمة لا تبدو لها نهاية واضحة حتى الآن.

وقد أشار إلى توصيات الوكالة الدولية للطاقة التي تدعو إلى العمل من المنزل كلما كان ذلك ممكنًا، وتقليل السرعات على الطرق السريعة، وتشجيع استخدام وسائل النقل العام، وتجنب التنقلات غير الضرورية.

ويستعد الاتحاد الأوروبي لطرح مبادرة غير ملزمة تهدف إلى تشجيع العمل عن بُعد كوسيلة لتخفيف أزمة الطاقة من خلال تقليل التنقل اليومي وتقليص استهلاك الطاقة في المكاتب.

ورغم هذه التوصيات والإجراءات، ما يزال الخطاب السائد يقوم على فكرة أن هذه الأوقات الاستثنائية تتطلب إجراءات استثنائية لكنها مؤقتة، وأن الحياة ستعود إلى طبيعتها بمجرد انتهاء الأزمة. وإذا بدا هذا الطرح مألوفًا، فذلك لأنه يتكرر في كل أزمة تقريبًا.

تجربة الأزمات تتكرر

تشبه هذه الإجراءات إلى حد كبير تلك التي اتخذت خلال جائحة كوفيد 19، لكن ما يلفت الانتباه هذه المرة هو عودة العمل عن بُعد إلى الواجهة بوصفه أداة لإدارة الأزمة. وكأن العمل من المنزل لا يُقبل إلا عندما تفرض الظروف ذلك قسرًا.

ففي عام 2020 كان الهدف هو تقليل انتشار العدوى، أما اليوم فالمكاتب تُترك شبه فارغة بهدف تقليل استهلاك الطاقة. ورغم اختلاف الدوافع، إلا أن حالة الارتباك وتعدد الإجراءات المتفاوتة تعيد إلى الأذهان سنوات الجائحة، حيث بدا أن المؤسسات والحكومات والشركات تفاجأت مرة أخرى بحجم التحولات.

وفي الوقت نفسه، تتجلى آثار الحرب في صورة ركود تضخمي يجمع بين ارتفاع الأسعار وضعف النمو، إلى جانب تراجع في حركة التجارة العالمية وسط ضغوط بيئية متزايدة. هذه التحديات المتداخلة تفرض إعادة التفكير في تنظيم العمل، وتفتح في المقابل المجال أمام سياسات أكثر جرأة في مجال الاستدامة.

وبات من الصعب تبرير رفض أساليب العمل غير التقليدية التي يمكن أن تقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

لكن ما يثير القلق أكثر هو أن تجربة العاملين مع العمل المرن باتت تُدار بمنطق الأزمات المتكررة، حيث يُعاد الموظفون إلى منازلهم عند اشتداد الضغوط على المؤسسات، ثم يُطلب منهم العودة إلى المكاتب فور انتهاء الأزمة، دون رؤية طويلة المدى.

في بداية جائحة كورونا، وجدت الحكومات والشركات والأفراد أنفسهم أمام واقع جديد بالكامل. كان على الآباء التوفيق بين العمل ورعاية الأطفال والتعليم المنزلي، فيما اضطر الموظفون الجدد للعمل من أماكن غير مهيأة، داخل شقق مزدحمة أو مساحات مؤقتة.

واليوم يتكرر المشهد من جديد مع أزمة الطاقة، لكن هذه المرة لا يبدو أن الدافع هو الصحة العامة أو تحسين ظروف العمل، بل خفض التكاليف في المدى القصير.

سياسات العودة إلى المكاتب

أصبح موضوع العمل عن بُعد أحد أكثر القضايا انقسامًا في النقاش العام، خصوصًا مع توجه بعض الرؤساء التنفيذيين في شركات كبرى مثل أمازون وإكس وغولدمان ساكس إلى فرض العودة الإلزامية إلى المكاتب. وفي بعض الحالات، تحولت هذه السياسات إلى وسيلة غير مباشرة لتقليل أعداد الموظفين عبر دفعهم إلى الاستقالة الطوعية بدل التسريح الرسمي.

وبات الموظفون يُطلب منهم العودة إلى المكاتب أو يُسمح لهم بالعمل عن بُعد ضمن شروط صارمة، مثل منع العمل من المنزل في بداية الأسبوع أو نهايته، لضمان ألا تتحول المرونة إلى حرية كاملة في الحركة.

كما أن عددًا محدودًا من الشركات فقط استثمر في تطوير بيئات عمل حقيقية تدعم العمل عن بُعد بشكل فعّال. وتشير الدراسات إلى وجود شكوك عميقة لدى الإدارة تجاه استقلالية الموظف، وهو ما انعكس في انتشار أدوات المراقبة الرقمية مثل تتبع ضغطات لوحة المفاتيح وأخذ لقطات شاشة دورية وفحص البريد الإلكتروني.

ومع السماح بالعمل من المنزل، أصبحت هذه الأدوات أكثر انتشارًا، ما عزز فكرة أن العمل عن بُعد ليس سوى تنازل مؤقت من الإدارة.

فوائد العمل عن بُعد

في المقابل، تشير الأدلة إلى صورة مختلفة تمامًا. فقد أوضح الاقتصادي في جامعة ستانفورد نيك بلوم أن العمل الهجين استقر ليصبح نموذجًا جديدًا للعمل. ففي الولايات المتحدة وصل معدل العمل عن بُعد إلى نحو 28 في المئة من أيام العمل المدفوعة بحلول عامي 2025 و2026، بعد أن كان لا يتجاوز 5 في المئة قبل الجائحة، دون أي تأثيرات سلبية واضحة على الأداء الاقتصادي.

وفي أوروبا أيضًا، تتزايد التجارب التي تعتمد مرونة أكبر في العمل، سواء من خلال السماح بالعمل من أي مكان أو تقليص أيام العمل الأسبوعية، بهدف جذب الكفاءات والاحتفاظ بها.

غير أن الوصول إلى نموذج فعّال للعمل خارج إطار المكتب يتطلب قدرًا كبيرًا من الابتكار والتجريب من داخل المؤسسات نفسها، إلى جانب دعم قانوني وتنظيمي واضح.

وقد بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل خطوات في هذا الاتجاه بعد دعوة البرلمان الأوروبي في عام 2021، حيث أُطلقت مشاورات مع الشركاء الاجتماعيين تهدف إلى تنظيم الحق في الانفصال عن العمل وضمان عدالة العمل عن بُعد.

لكن هذه الجهود ما تزال محكومة بمخاوف تقليدية، إذ يُنظر إلى العمل عن بُعد باعتباره سببًا في التوافر الدائم وضغط العمل المستمر، إضافة إلى تأثيراته على الصحة والسلامة. في حين يغيب النقاش الجاد حول إعادة تصميم وقت العمل نفسه.

فالإطار الحالي لتنظيم العمل لا يزال قائمًا على نموذج صارم وخطي وهرمي، يعكس تصورًا تقليديًا لدور العمل والزمن. بينما الواقع يتطلب تحولًا نحو نماذج أكثر مرونة وتعاونًا واستدامة، تسمح بقدر أكبر من الاستقلالية والتوازن.

من رد الفعل إلى الاستعداد

يمكن للمؤسسات على مختلف المستويات أن تتجاوز مرحلة النوايا العامة وتبدأ في تطبيق التغيير فعليًا. وتشير بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والاتحاد الأوروبي لعام 2024 إلى أن نحو 37.2 في المئة من الموظفين الحكوميين لا يعملون عن بُعد إطلاقًا، بينما يعمل 22.6 في المئة فقط من يوم إلى يومين أسبوعيًا.

في المقابل، ترتبط تجربة العمل عن بُعد الطوعي بمستويات أعلى من الرضا والرفاهية، خصوصًا في الوظائف التي لا تتطلب حضورًا فعليًا مثل الأعمال المكتبية الخلفية أو خدمات الاتصال بالمواطنين.

وإذا كان البعض يرى أن الحديث عن العمل عن بُعد في أوقات الأزمات غير مناسب، فإن التمسك بالنماذج القديمة في إدارة العمل يبدو غير منطقي أيضًا. فالمشهد الذي يتكرر يوميًا، من موظفين يذهبون إلى المكاتب فقط لعقد اجتماعات افتراضية، أو مسؤولين عالقين في الزحام للوصول إلى مكاتبهم لإرسال رسائل إلكترونية، أو مستشارين يسافرون لمسافات طويلة لإلقاء عرض لا يتجاوز دقائق، يعكس نموذجًا قديمًا يستهلك الوقت والموارد دون ضرورة حقيقية.

الأجيال الجديدة لم تعد مستعدة لمقايضة الحرية والمعنى بالحضور الجسدي والانضباط الشكلي. كما أن مستوى النضج الإداري المطلوب أصبح أعلى من أي وقت مضى.

إن إعادة تصميم أساليب التعاون وبنية العمل وتنظيم الوقت لم تعد خيارًا مؤقتًا، بل أصبحت استثمارًا طويل الأمد له تأثير مباشر على الإنتاجية وجودة الحياة. وفي هذا السياق، فإن إعادة التفكير في مفهوم وقت العمل قد تكون الخطوة الحاسمة في كسر أنماط قديمة طالما تم التسليم بها دون مراجعة.

واليوم، ومع دخول أماكن العمل أزمتها الثالثة خلال ست سنوات، يبقى السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العمل عن بُعد يجب أن يصبح هو القاعدة، بل لماذا نحتاج إلى أزمة جديدة في كل مرة كي نعيد التفكير في طريقة عملنا من الأساس.

المصدر

مقالات ذات صلة