القائمة الرئيسية

هل يمكن للدردشة الآلية أن تخفف الشعور بالوحدة فعلاً؟

هل يمكن للدردشة الآلية أن تخفف الشعور بالوحدة فعلاً؟
ملخص المقال

يناقش مقال منشور على موقع greater good بقلم جيل سوتي أن برامج الدردشة الآلية قد تبدو أداة فعّالة لمواجهة الشعور بالوحدة، لأنها قادرة على محاكاة الحوار الإنساني وتقديم استجابات متعاطفة ومتاحة في أي وقت. ويبين المقال أن بعض الدراسات المبكرة أشارت إلى تحسن فوري في المزاج وانخفاض مؤقت في الوحدة بعد التفاعل مع هذه الأنظمة، لكن نتائج الأبحاث الأحدث كانت أكثر تحفظًا. واستنادًا إلى تجربة على طلاب جامعيين، تبيّن أن التفاعل مع أشخاص حقيقيين هو وحده الذي أدى إلى تحسن مستمر في المزاج وتقليل الشعور بالوحدة، بينما لم يحقق التفاعل مع الروبوت أو كتابة اليوميات نفس الأثر. ويخلص المقال إلى أن الدردشة الآلية قد تقدم دعمًا لحظيًا في ظروف العزلة، لكنها لا تستطيع أن تحل محل العلاقات الإنسانية الحقيقية التي تظل أكثر تأثيرًا واستدامة في تعزيز الصحة النفسية.

بقلم: جيل سوتي

في السنوات الأخيرة، أصبح السؤال مطروحاً بقوة حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية، وهي أنظمة حاسوبية صُممت لمحاكاة الحوار البشري، يمكن أن تساعد في تقليل الشعور بالوحدة وتعزيز الإحساس بالترابط الاجتماعي. ويعود هذا التساؤل إلى التطور الكبير الذي شهدته هذه التقنيات، إذ أصبحت اليوم قادرة على تقليد بعض مهارات التفاعل البشري مثل الاستماع الجيد، والاستجابة المناسبة، وإظهار التعاطف. كما أن هذه الأنظمة متاحة طوال الوقت دون توقف، وهو ما لا يستطيع البشر توفيره بطبيعة الحال.

بعض الدراسات الأولية أظهرت نتائج مشجعة في هذا السياق. فقد وجدت إحدى الدراسات التي أجريت على مستخدمين لمرافقين رقميين مدرَّبين على إظهار التعاطف أن المشاركين شعروا بانخفاض فوري في مستويات الوحدة بعد التفاعل معهم. وخلص الباحثون إلى أن مجرد الشعور بأن هناك من يستمع ويفهم يمكن أن يخفف من حدة الشعور بالوحدة، وأن الدردشة الآلية قد تنجح في محاكاة هذا النوع من الدعم، وفي بعض الجوانب قد تبدو فعالة حتى أكثر من الإنسان.

كما أشارت دراسة أخرى إلى أن الأشخاص شعروا بمزاج جيد عند التحدث مع روبوت محادثة، بمستوى قريب من شعورهم عند التحدث مع أشخاص حقيقيين سواء وجهاً لوجه أو عبر الإنترنت، رغم أنهم أبدوا ميلاً أكبر وتفضيلاً أوضح للتفاعل مع البشر. وبما أن تحسن المزاج يرتبط عادة بتراجع الشعور بالوحدة، فقد يبدو أن هذه التقنية قد تقدم دعماً غير مباشر للأشخاص المنعزلين. وتشير بعض الأبحاث كذلك إلى أن البعض قد يفضلون الحديث مع الروبوتات في بعض الحالات، خصوصاً عندما يفتقرون إلى الدعم الاجتماعي من المحيطين بهم.

ومع ذلك، فإن أبحاثاً أحدث بدأت ترسم صورة مختلفة وأكثر حذراً. إذ تشير هذه الدراسات إلى أن الدردشة الآلية، رغم فعاليتها المؤقتة، لا تحقق أثراً مستداماً في تقليل الشعور بالوحدة، بل إن استخدامها في بعض الحالات قد ينعكس سلباً على الصحة الاجتماعية والنفسية.

في إحدى الدراسات التي أُجريت عام 2026، شارك مئتان وخمسة وسبعون طالباً في السنة الأولى بجامعة كولومبيا البريطانية في تجربة هدفت إلى قياس تأثير أنواع مختلفة من التفاعل على الشعور بالوحدة والمزاج. طُلب من المشاركين التفاعل يومياً لمدة أسبوعين، إما مع طالب آخر لا يعرفونه مسبقاً عبر رسالة ذات معنى، أو مع روبوت دردشة يحمل اسم “سام” تم تدريبه ليكون متعاطفاً ومتجاوباً، أو كتابة ملخص يومي في مساحة خاصة بهدف التأمل الذاتي.

في نهاية كل يوم، كان المشاركون يقيّمون مدى شعورهم بالارتباط الاجتماعي أثناء التفاعل، إضافة إلى حالتهم النفسية من حيث المشاعر الإيجابية والسلبية. وبعد انتهاء فترة الأسبوعين، أُعيد قياس مستويات الوحدة والمزاج والعزلة لديهم.

أظهرت النتائج أن المجموعة التي تفاعلت مع أشخاص حقيقيين فقط هي التي شهدت تحسناً واضحاً في المزاج وانخفاضاً في الشعور بالوحدة والعزلة. أما المشاركون الذين تفاعلوا مع الروبوت أو كتبوا يومياتهم فلم يظهر لديهم تحسن مماثل.

وترى الباحثة الرئيسية في الدراسة أن هذه النتائج تشير إلى أن الدردشة الآلية ليست بديلاً حقيقياً للتواصل البشري، حتى لو كان هذا التواصل مع أشخاص غرباء لا تربطنا بهم علاقة مسبقة. وتوضح أن تجربة بسيطة تعتمد على التحدث مع شخص آخر عشوائياً كانت كفيلة بتقليل الشعور بالوحدة بشكل واضح، في حين أن الروبوت المصمم ليكون داعماً ومتفهما لم يحقق أثراً مماثلاً.

وتضيف أن الفكرة التي كانت تتوقعها الدراسة هي أن الذكاء الاصطناعي قد ينجح في تقديم فوائد مشابهة لما يسمى بالعلاقات الضعيفة، وهي التفاعلات البسيطة مع أشخاص لا نعرفهم جيداً، والتي ثبت أنها تساعد في تعزيز الشعور بالانتماء وتقليل الوحدة. إلا أن النتائج أظهرت أن هذا التشابه غير دقيق، وأن التفاعل مع الذكاء الاصطناعي لا يقدم نفس الفائدة النفسية على المدى الطويل.

من جهة أخرى، لوحظ أن التفاعل مع البشر والروبوتات أدى إلى تحسن فوري في المزاج بعد كل جلسة، لكن التأثير الإيجابي المستمر لم يظهر إلا لدى من تواصلوا مع البشر. وهذا يشير إلى أن الإنسان ما يزال يتفوق من حيث الأثر العاطفي طويل الأمد.

في المقابل، ساعدت الدردشة الآلية في تقليل المشاعر السلبية بدرجة مشابهة لتلك التي يحققها التفاعل البشري، وهو ما قد يجعلها مفيدة في بعض الظروف الخاصة أو لدى الأشخاص الذين يعانون من عزلة شديدة. وترى الباحثة أنه في الحالات التي يحتاج فيها الشخص إلى دعم فوري، قد يكون التحدث مع روبوت أفضل من عدم التحدث مع أحد، لكنه ليس حلاً دائماً.

كما أظهرت متابعة لاحقة أن نسبة أكبر من المشاركين استمروا في التفاعل مع أشخاص حقيقيين بعد انتهاء التجربة مقارنة بمن استمروا في استخدام الروبوت أو كتابة اليوميات. وهذا يعكس أن التفاعل البشري لا يخفف الشعور بالوحدة فقط، بل يساعد أيضاً في بناء استمرارية في العلاقات الاجتماعية.

وتعتقد الباحثة أن أحد أسباب ذلك يعود إلى طبيعة التفاعل البشري، فهو أكثر حيوية وتبادلاً، حيث يمكن للطرفين بدء المحادثة والمبادرة، مما يعزز استمرار التواصل. كما أن وجود عنصر العفوية والتفاعل الحقيقي بين البشر يضيف قيمة عاطفية لا يمكن للروبوتات محاكاتها.

إضافة إلى ذلك، فإن البشر ينتمون إلى شبكات اجتماعية أوسع، ما يعني أن أي تفاعل بسيط قد يفتح الباب أمام علاقات جديدة وفرص اجتماعية أعمق، وهو ما لا تستطيع الأنظمة الاصطناعية توفيره حتى الآن.

وفي ضوء هذه النتائج، يحذر عدد متزايد من الدراسات من الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كبديل للعلاقات الإنسانية. فبعض الأبحاث تشير إلى أن الاستخدام المفرط للدردشة الآلية قد يؤدي إلى اعتماد عاطفي غير صحي، وربما ينعكس ذلك على السلوك الاجتماعي واتخاذ القرارات.

كما تبين أن بعض الأنظمة تميل إلى المجاملة الزائدة والموافقة المستمرة على المستخدمين، وهو ما قد يمنحهم شعوراً زائفاً بأنهم دائماً على صواب، حتى في الحالات التي تتضمن سلوكاً خاطئاً أو ضاراً. وهذا بدوره قد يقلل من القدرة على التقييم الذاتي ويؤثر على جودة العلاقات الاجتماعية.

وفي النهاية، رغم أن الدردشة الآلية قد توفر دعماً مؤقتاً أو شعوراً بالراحة في لحظات معينة، إلا أن الأدلة تشير إلى أنها لا تستطيع أن تحل محل العلاقات الإنسانية الحقيقية. وربما يكون الدور الأكثر فاعلية لهذه التقنيات في المستقبل هو دعم الناس لبناء علاقاتهم الاجتماعية وليس استبدالها، من خلال تشجيعهم على التواصل مع الآخرين أو مساعدتهم على تطوير مهارات الحوار والثقة في التفاعل الاجتماعي.

المصدر

مقالات ذات صلة