بقلم: لو هارفي وكريس بيلي
يُستخدم مفهوم “طيف التوحّد” على نطاق واسع في التشخيص والتعليم والنقاش العام. وقد صاغته في الأصل الطبيبة النفسية لورنا وينغ في ثمانينيات القرن الماضي، وكان الهدف منه الإشارة إلى التنوع الكبير في تجارب الأشخاص التوحّديين واحتياجاتهم المختلفة.
لكن هناك مجموعة متزايدة من الأبحاث بدأت تشكك فيما إذا كان هذا المفهوم ما يزال قادرًا على مساعدتنا في فهم حياة الأشخاص التوحّديين بالشكل الكافي.
نحن باحثان توحّديان نعمل في مجالات التواصل والتعليم والتنوّع العصبي. يتركز عملنا على دراسة الطرق التي يعبّر بها الناس عن معرفتهم وتجاربهم عندما لا يتماشى تواصلهم مع التوقعات السائدة، خصوصًا عندما يتجاوز اللغة المنطوقة.
ومن خلال هذا العمل، تتكرر لدينا ملاحظة أساسية وهي أن الأشخاص التوحّديين وغير التوحّديين جميعهم يعبّرون عن أنفسهم بطرق متعددة تحمل معنى. لكن هذا التنوع في أساليب التواصل غالبًا ما يتم تجاهله أو إساءة فهمه داخل النماذج التقليدية للتوحّد.
هذه النماذج تنطلق في الغالب من علم النفس المعرفي والممارسة السريرية، حيث يُنظر إلى التوحّد بوصفه اضطرابًا في التواصل. ووفق هذا التصور، يُفترض أن الأشخاص التوحّديين يواجهون صعوبة في الكلام أو في التواصل البصري أو في إدارة الحوار التبادلي.
وغالبًا ما يتم الاعتماد في التشخيص على الملاحظة الخارجية التي يقوم بها الأطباء، بدلًا من الاستماع المباشر لتجربة الشخص التوحّدي وروايته عن نفسه.
عندما يتم تجاهل وجهات النظر المختلفة
يرى عدد من النقّاد أن هذا النهج يعكس ما يُعرف بالمعيارية العصبية، وهي الاعتقاد بوجود طريقة طبيعية واحدة فقط للتفكير والتواصل والسلوك. ويقوم هذا التصور على فكرة أن اللغة المنطوقة هي ما يحدد إنسانية الإنسان بشكل كامل. وبالتالي، عندما يتواصل الأشخاص بطرق مختلفة، يتم أحيانًا التقليل من قيمة معرفتهم أو اعتبارها أقل وضوحًا أو أقل موثوقية.
وقد ناقشت الباحثة التوحّدية م. ريمي ييرغو أن التوحّد غالبًا ما يُقدَّم في الأبحاث المعرفية على أنه حالة سردية، أي أن الأشخاص التوحّديين يُفترض أنهم غير قادرين على التعبير عن معرفة ذاتية ذات معنى.
وعندما يُفترض مسبقًا أن طريقة تواصل شخص ما غير مفهومة أو غير مترابطة، يصبح من السهل تجاهل وجهة نظره بالكامل. وهذا يؤدي إلى عدم اعتبار الأشخاص التوحّديين مصادر موثوقة لفهم تجربتهم الشخصية.
غير أن أبحاثنا، إلى جانب أعمال باحثين توحّديين آخرين، تتحدى هذا الافتراض من جذوره.
التواصل أوسع من الكلمات
تتزايد الأدلة التي تشير إلى أن الأشخاص التوحّديين يعبّرون عن أنفسهم بطرق متعددة لا يتم الاعتراف بها دائمًا بوصفها تواصلًا. فعلى سبيل المثال، تُظهر أبحاث كريس أن كثيرًا من الأشخاص التوحّديين يستخدمون انغماسهم العميق في اهتمامات معينة كوسيلة للتعبير عن الهوية والمعنى والارتباط بالعالم، وليس باعتبارها مجرد أعراض مرتبطة بالتوحّد.
كما يستخدم العديد من الأشخاص التوحّديين الحركات الإيقاعية أو المتكررة والأصوات، وهو ما يُعرف عادة بالتحفيز الذاتي، إضافة إلى تكرار الكلمات أو العبارات فيما يُعرف بالإيكولاليا. هذه الأشكال من التعبير قد تنقل مشاعر الراحة أو التوتر أو الفرح أو التركيز. وقد تساعد أيضًا في تنظيم الإحساس الحسي أو توفير شعور بالمتعة. ورغم أنها لا تتوافق مع الفهم التقليدي للغة، إلا أنها تحمل معاني واضحة لمن يعيشها.
لكن بسبب الاعتقاد العميق بأن التواصل “الحقيقي” يجب أن يكون لفظيًا، لم تحظَ هذه الأشكال من التعبير بالاهتمام الكافي داخل العلوم السائدة. ومع ذلك فهي تكشف أمرًا مهمًا للغاية، وهو أن التواصل والمعرفة لا يقتصران على الكلمات فقط، بل يشملان أيضًا الإحساس والتجربة الداخلية وما يصعب التعبير عنه بالكلام.
وقد أظهرت أبحاث عالم الأعصاب أنطونيو داماسيو أن العاطفة ليست منفصلة عن التفكير، بل هي جزء أساسي منه. فالمشاعر تؤثر في الانتباه واتخاذ القرار والفهم. وبهذا المعنى، فإن الإحساس جزء من عملية معرفتنا بالعالم. وإذا أردنا أن نأخذ معرفة الناس عن أنفسهم على محمل الجد، فلا بد أن نأخذ هذا البعد بعين الاعتبار.
ويقوم بحثنا على هذا الفهم، حيث يوضح أن التواصل والمعرفة لا يمكن حصرهما في ما يُقال بشكل مباشر أو ما يمكن قياسه بسهولة.
من التشخيص إلى الانتباه
يبقى التشخيص الطبي ضروريًا لأنه يتيح الوصول إلى الدعم والخدمات. لكن الاعتماد على التشخيص وحده قد لا يعكس بشكل كامل كيفية تجربة الأشخاص التوحّديين للعالم أو طرق تعبيرهم عن احتياجاتهم.
نقترح إعادة توجيه السؤال. بدلًا من أن نسأل ما المشكلة في هذا الشخص، يمكن أن نسأل كيف يمكننا أن ننتبه لهذا الشخص بشكل أفضل.
الانتباه هنا يعني التعامل مع الشعور بوصفه شكلًا من أشكال المعرفة، والاعتراف بأن اللغة لها حدود لا يمكن تجاوزها دائمًا. وقد وجدت أبحاث لو وزملائه أنه عندما لا تكون اللغة المنطوقة متاحة أو غير كافية، فإن أشكالًا أخرى من التفاعل مثل الفن واللعب والرعاية وحتى مجرد التواجد مع الآخرين يمكن أن تصبح أكثر عمقًا في التعبير عن المعنى. وغالبًا ما يكون من الصعب ملاحظة هذه الأشكال أو قياسها مقارنة باللغة، وهو ما يفسر قلة الاهتمام بها في الأبحاث التقليدية.
لكن هذه الأشكال من التواصل تمثل جزءًا أساسيًا من تجربة الكثير من الناس، سواء كانوا توحّديين أو غير توحّديين، في فهم العلاقات والتواصل مع الآخرين. والاعتراف بهذا الأمر له نتائج عملية مهمة، لأنه يعني أن قرارات التعليم والدعم والسياسات يجب أن تُبنى على فهم حقيقي لكيفية تجربة الأشخاص التوحّديين للعالم.
في البيئة المدرسية، قد يساعد ذلك على التعرف بشكل أفضل على العوائق التي يواجهها الطلاب وتطوير أساليب تعليم أكثر استجابة لاحتياجاتهم. وفي السياسات العامة، يمكن أن يساهم في تحسين طرق التشخيص والدعم في التعليم الخاص وفرص العمل.
وبشكل أوسع، فإن توسيع مفهومنا للتواصل يمكن أن يعود بالفائدة على الجميع، لأننا جميعًا نمر بتجارب يصعب التعبير عنها بالكلمات.
كان مفهوم طيف التوحّد في الأصل محاولة لفهم التنوع، لكن إذا استمر في الاعتماد على افتراضات ضيقة حول اللغة والمعرفة، فإنه قد لا يعكس هذا التنوع كما ينبغي. ويأتي هذا العمل ضمن اتجاه بحثي متنامٍ يسعى إلى الاعتراف بأشكال مختلفة من التعبير والفهم، بما في ذلك تلك التي تقع خارج حدود اللغة التقليدية.
إن التعامل مع هذه الأشكال بجدية لا يعني التخلي عن العلم، بل يعني توسيع ما نعتبره دليلًا صالحًا، وتوسيع دائرة من نعتبرهم مصدرًا للمعرفة حول تجربة التوحّد. وإذا فعلنا ذلك، فقد نكتشف أن الأساليب المصممة لدعم الأشخاص التوحّديين يمكن أن تفيد نطاقًا أوسع من الناس أيضًا.
