بقلم: توماس بيس وروجر كونيغ-روبرت
يستهلك الدماغ في هذه اللحظة ما يقارب خمس طاقة الجسم، لكن المفارقة أن معظم هذه الطاقة لا تُستخدم في ما تقوم به الآن. فبينما تقرأ هذه الكلمات وتشعر بجلوسك على الكرسي، فإن استهلاك الدماغ للطاقة لا يتغير إلا بشكل طفيف جدًا قد لا يتجاوز واحدًا في المئة.
أما النسبة الكبرى المتبقية، فتُستهلك في نشاط يولّده الدماغ من تلقاء نفسه بشكل مستمر. فخلايا الدماغ العصبية في حالة عمل دائم، تطلق الإشارات وتتواصل فيما بينها سواء كنت تفكر بتركيز، أو تشاهد شيئًا، أو تحلم، أو حتى تغمض عينيك دون أي نشاط ذهني مقصود.
حتى في المناطق المسؤولة عن الرؤية، فإن ما يصل من العينين لا يكون هو المؤثر الأكبر في نشاط الدماغ، بل إن النشاط الداخلي المستمر داخل هذه المناطق يفوقه بكثير.
في ورقة علمية نُشرت مؤخرًا في مجلة Psychological Review، نطرح فكرة مختلفة عن الخيال. فبدلًا من اعتباره عملية “بناء صور” داخل العقل، يبدو أن الخيال يعمل عبر تشكيل النشاط الدماغي الموجود أصلًا، وكأنه ينحت من تيار مستمر من الإشارات العصبية. وربما يكون الخيال مرتبطًا بما يخفّضه أو يثبّطه من نشاط أكثر من ارتباطه بما يضيفه من نشاط جديد.
التخيل كأنه رؤية تعمل بالعكس
لفهم ذلك، يمكن أن ننظر أولًا إلى طريقة الرؤية الطبيعية. عندما يدخل الضوء إلى العين، فإنه يتحول إلى إشارات عصبية تنتقل عبر سلسلة من مناطق الدماغ المخصصة للرؤية.
في البداية تتعامل المناطق البصرية المبكرة مع التفاصيل البسيطة مثل الخطوط والحواف. ثم تقوم مناطق أخرى بدمج هذه التفاصيل لتكوين أشكال أكثر تعقيدًا. وبعد ذلك تتعرف مناطق أعلى على الأشياء نفسها، وفي النهاية يتم تكوين صورة كاملة لوجه أو مشهد أو جسم يمكن التعرف عليه.
يطلق العلماء على هذا المسار اسم النشاط التقدمي، وهو انتقال المعلومات من الإحساس الخام إلى الإدراك الكامل لما نراه.
أما في التفسير التقليدي للخيال البصري، فيُنظر إليه باعتباره هذه العملية ولكن في الاتجاه العكسي. أي أن الدماغ يبدأ من فكرة أو ذكرى أو اسم لشخص، ثم يعيد إرسال هذه الإشارة إلى المناطق البصرية ليعيد بناء الصورة من جديد.
فعندما تتخيل وجه صديق، تبدأ الفكرة من مناطق الذاكرة والمعرفة، ثم تنتقل إلى المناطق البصرية حيث يُعاد تشكيل الوجه من تفاصيله، مثل شكل الفك أو لون العين أو ملامح الوجه العامة. هذا النوع من الإشارات يسمى النشاط الراجع، لأنه يتحرك من أعلى الدماغ إلى مناطقه البصرية المبكرة.
الإشارة داخل الضجيج
لكن الأبحاث تشير إلى أن هذا النشاط الراجع لا يعمل بالطريقة نفسها التي يعمل بها الإدراك البصري الحقيقي. فهو لا يدفع الخلايا العصبية إلى إطلاق الإشارات كما يحدث عند الرؤية المباشرة.
في المناطق البصرية المبكرة تحديدًا، يبدو أن هذا النشاط لا يخلق نشاطًا جديدًا بقدر ما يقوم بتعديل النشاط الموجود أصلًا. فهو يزيده في بعض الأماكن ويخفضه في أماكن أخرى، وكأنه يعيد تشكيل ما هو موجود بدلًا من بنائه من الصفر.
حتى عندما نغلق أعيننا، تستمر هذه المناطق في إنتاج أنماط من النشاط العصبي المتغير، وهي أنماط تشبه تلك التي تستخدمها عند رؤية العالم الخارجي.
من هنا، لا يبدو أن الخيال بحاجة إلى بناء الصورة بالكامل، لأن المادة الخام موجودة بالفعل داخل الدماغ. فداخل هذا النشاط المستمر توجد أجزاء صغيرة من كل الوجوه التي نعرفها وكل الصور التي مررنا بها، لكنها تتحرك باستمرار دون أن تتشكل في صورة واضحة.
عندما نتخيل، فإن ما يحدث ليس خلق صورة جديدة بالكامل، بل تثبيت جزء معين من هذا النشاط ومنعه من التشتت. وكأن الدماغ يهدئ بعض الإشارات ويمنعها من التداخل مع غيرها، فتظهر الصورة الذهنية بشكل أوضح وسط هذا الضجيج العصبي.
كيف يوجّه الدماغ نفسه
تجارب على الحيوانات أظهرت أن تفعيل عدد صغير جدًا من الخلايا العصبية في مناطق حسية يمكن أن يكون كافيًا لتوجيه سلوك كامل. ففي الفئران مثلًا، قد يؤدي تنشيط عدد محدود من الخلايا العصبية إلى إدراك شيء معين والاستجابة له بشكل مباشر.
وبالرغم من أننا لا نعرف بعد عدد الخلايا العصبية اللازمة لخلق تجربة خيال واعية لدى الإنسان، فإن الأدلة المتزايدة تشير إلى أن تقليل النشاط العصبي يلعب دورًا مهمًا في تشكيل الصور الذهنية.
في تجارب سابقة، وُجد أن النشاط الدماغي أثناء التخيل يرتبط أكثر بعملية تثبيط أو خفض للنشاط العصبي وليس بزيادته. كما أن دراسات أخرى وصلت إلى نتائج مشابهة تؤكد هذا الاتجاه.
وتدعم هذه الفكرة ملاحظات أخرى أيضًا. فهناك أشخاص يعانون من حالة تُعرف بعدم القدرة على تكوين صور ذهنية، بينما في المقابل هناك أشخاص يمتلكون صورًا ذهنية شديدة الوضوح لدرجة تقارب قوة الرؤية الحقيقية.
وقد تبين أن الأشخاص الذين لديهم قدرة ضعيفة على التخيل يمتلكون نشاطًا أعلى في المناطق البصرية المبكرة، حيث تكون الخلايا العصبية أكثر نشاطًا بشكل تلقائي، مما يجعل من الصعب تثبيت نمط معين من النشاط لتكوين صورة ذهنية واضحة.
الفكرة في مجملها
عند جمع هذه الأدلة معًا، تقترح هذه النظرية أن الخيال لا يعمل عبر إنشاء صور جديدة بالكامل، بل عبر إعادة تشكيل النشاط العصبي الموجود أصلًا داخل الدماغ.
وبهذا الفهم، يصبح الخيال عملية تعتمد على تنظيم الضجيج العصبي الداخلي أكثر من كونه عملية إنتاج صور. وهذا قد يفسر لماذا يبدو الخيال عادة أضعف من الرؤية الحقيقية، ولماذا نستطيع في أغلب الأحيان التمييز بسهولة بين ما نراه فعليًا وما نتخيله.
فالرؤية تأتي إلى الدماغ بقوة وثبات وتنظيم عالٍ، بينما يعمل الخيال داخل نشاط داخلي متغير وغير مستقر. ومع ذلك، فإن الدماغ يستخدم هذا النشاط نفسه ليبني منه صورًا ذهنية قريبة بما يكفي لتبدو وكأننا نراها بالفعل، لكنها في النهاية تظل تجربة مختلفة عن الإدراك البصري المباشر.
