القائمة الرئيسية

لماذا يجد بعض الناس صعوبة بالغة في إدارة وقتهم عند العمل من المنزل؟

لماذا يجد بعض الناس صعوبة بالغة في إدارة وقتهم عند العمل من المنزل؟
ملخص المقال

يرى مقال منشور على موقع The Conversation بقلم سو كيغيريس أن الانتشار المتزايد للعمل من المنزل، رغم ما يوفره من مرونة، قد أوجد تحديات جديدة تتعلق بإدارة الوقت والانضباط الذاتي والصحة النفسية. ويبين المقال أن غياب بيئة العمل التقليدية يحرم الأفراد من القيود الخارجية والتفاعلات اليومية التي تساعد عادة على تنظيم الوقت وتعزيز الإبداع، مما يجعل إدارة المهام أكثر تعقيدًا في ظل تداخل المشتتات المنزلية والرقمية. كما يشير إلى أن العمل عن بُعد يحوّل عملية ضبط الوقت إلى صراع داخلي بين الدافع للإنتاجية والرغبة في الراحة، وهو ما قد يؤدي إلى التسويف وزيادة الضغط النفسي. ويؤكد المقال أن التفاعل الإنساني المباشر داخل بيئة العمل يلعب دورًا أساسيًا في دعم الأفكار والرفاه النفسي، وأن التواصل الافتراضي لا يعوّض بالكامل هذا الأثر. لذلك يدعو إلى إعادة تصميم تجربة العمل من المنزل عبر خلق بيئة منظمة داخلية، ووضع حدود واضحة، والحفاظ على تواصل إنساني فعّال، لضمان توازن أفضل بين الإنتاجية والصحة النفسية.

بقلم: سو كيغيريس

أصبح عدد أكبر من أي وقت مضى يعملون من المنزل بشكل كامل أو جزئي خلال الأسبوع. وقد يبدو هذا النوع من المرونة فكرة جيدة، لكنه في الواقع يجعل كثيرًا من الناس يجدون صعوبة في إدارة وقتهم. كما أن العمل من المنزل في عزلة قد يمنع الأفراد من الدخول في العلاقات اليومية الطبيعية التي يوفّرها بيئة العمل، والتي تلعب دورًا مهمًا في تعزيز الإبداع وتحسين الصحة النفسية.

الوقت هو أثمن ما نملك، وهو في جوهره أشبه بعملة ننفقها. وكما أظهرت أبحاثي حول التأخر عن المواعيد، فإن إدارة الوقت لا تتعلق فقط بتنظيم المهام، بل تشمل أيضًا إدارة علاقات معقدة وصراعات داخلية في داخلنا، إضافة إلى علاقاتنا مع الآخرين.

في بيئة العمل التقليدية، تساعدنا القيود الخارجية في إدارة وقتنا، إذ تكون فرص التشتت أقل، ولا نحتاج إلى مراقبة أنفسنا باستمرار لأن الزملاء أو المديرين يقومون بذلك بشكل غير مباشر. ورغم أننا قد نشعر أحيانًا بالانزعاج من عدم قدرتنا على اختيار ما نفعله في كل لحظة، مثل حضور اجتماع يستمر ساعتين، إلا أن هذا النظام يخفف عنا عبء اتخاذ قرارات مستمرة بشأن ما يجب فعله بعد ذلك.

أما عند العمل من المنزل، فإن الإغراءات تصبح أكثر حضورًا وتنوعًا، وتستهلك وقتنا بسهولة. فهناك الطعام المتاح في الثلاجة أو إمكانية الخروج السريع للتسوق، وهناك أيضًا الترفيه الرقمي بكل أشكاله عبر وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع والألعاب، التي يمكن أن تثير فينا مشاعر مختلفة مثل الحماس أو الغضب أو الدهشة أو المتعة أو الانبهار. وبالنسبة لبعض الأشخاص، قد يكون من السهل جدًا الانجذاب لاستخدام الوقت بطريقة غير منتجة، خاصة عبر الإنترنت. وفي أي لحظة، يحدث توازن دقيق داخل الإنسان بين جانبه الإبداعي البنّاء، وجانبه الآخر الذي يميل إلى الراحة السريعة وتجنب الجهد والتفكير العميق.

العمل الحقيقي غالبًا ما يكون مقلقًا، والمسؤولية قد تثير الخوف. فالمهام الصعبة تظل غامضة ومربكة إذا لم نبدأ بها فعليًا. والتسويف ليس وسيلة جيدة للتعامل مع القلق، لكنه خيار شائع جدًا. تأجيل المهام يخفف التوتر مؤقتًا، لكنه في الوقت نفسه يبقي احتمال إنجاز المهمة بشكل جيد قائمًا في المستقبل.

في بيئة العمل التقليدية، يأتي ضغط إدارة الوقت غالبًا من الآخرين. ورغم أننا قد نشعر بالانزعاج من تدخل المديرين أو مراقبتهم، إلا أن هذا النوع من الضغط يساعدنا فعليًا على إنجاز المهام. أما في المنزل، فنحن نقوم بدور “المدير” و“الموظف” في الوقت نفسه، وهذا يجعل الصراع داخليًا وأكثر صعوبة في الإدارة.

إذا كنا محظوظين، فقد نمتلك صوتًا داخليًا هادئًا وداعمًا يرشدنا نحو قرارات مفيدة مع السماح لنا بوقت للراحة والاستمتاع. لكن كثيرين يعانون من صوت داخلي قاسٍ يلومهم باستمرار على التقصير، ويزيد من قلقهم بشأن قدرتهم على إنجاز المهام. وفي بعض الحالات، يكون هذا “المدير الداخلي” أكثر قسوة من المدير الحقيقي في العمل، مما يدفع الشخص إلى أساليب غير صحية لتجنب الضغط أو الهروب منه، مثل التسويف أو الانشغال بالمشتتات.

لا بديل عن الواقع الحقيقي للتفاعل

في بيئة العمل، نتفاعل مع الآخرين بطرق مباشرة تساعدنا بشكل واضح، فهم يقدمون لنا الدعم عند الحاجة، ويساعدوننا على تبادل الأفكار عندما نعلق في نمط تفكير ضيق، كما يعبرون عن تقديرهم لعملنا. وحتى في حالات الخلاف أو العلاقات الصعبة، فإن لهذه التفاعلات دورًا إيجابيًا غير مباشر، إذ تساعدنا على تطوير أفكارنا وتوضيحها، كما أن وجود هذه الخلافات في الواقع الخارجي يقلل من استنزافها الداخلي في أذهاننا.

يمكن تحقيق بعض هذا التفاعل بشكل افتراضي عند العمل من المنزل، لكن التواصل عبر البريد الإلكتروني أو الرسائل أو وسائل التواصل الاجتماعي يختلف تمامًا عن التواصل المباشر وجهًا لوجه. وغالبًا ما لا يمنح هذا النوع من التواصل الافتراضي نفس الحيوية أو التأثير الذي يجعل التفاعل الإنساني فعالًا حقًا. كثير من الناس يحتاجون إلى التفاعل المباشر مع الآخرين ليشعروا بالإنجاز في حياتهم المهنية والإبداعية، ولتعزيز رفاههم النفسي، وليس فقط لتجنب الوحدة أو الحصول على صداقات.

لذلك، إذا وجدت أن العمل من المنزل يمثل تحديًا لك، فلا تقلق، فالكثيرون يشاركونك الشعور نفسه، وهذا لا يعني وجود خلل لديك. من المهم أن تفكر بجدية في إعادة خلق بيئة عمل داخل منزلك، من خلال تخصيص مساحة بعيدة عن أماكن الراحة، وتحديد ساعات عمل واضحة ولكن محدودة.

كما يمكن أن يساعدك إدخال بعض القيود الخارجية التي تشبه بيئة العمل، مثل إشراك الآخرين في مواعيد التسليم، أو تنظيم اجتماعات متابعة، والأهم من ذلك تقليل مصادر التشتيت من خلال إيقاف الإنترنت لفترات معينة خلال اليوم.

ومن المهم أيضًا الحفاظ على علاقات إنسانية حقيقية مع الزملاء، وليس فقط عبر الإنترنت. فنحن غير مهيئين نفسيًا لإدارة حياتنا العاطفية والاجتماعية في عزلة تامة، ونحتاج إلى الآخرين للتفاعل معهم بطرق تتجاوز حدود الصداقة أو العلاقات الشخصية التقليدية.

المصدر

مقالات ذات صلة