القائمة الرئيسية

جيل زد يعاني من الاحتراق الوظيفي أكثر من أي جيل آخر

جيل زد يعاني من الاحتراق الوظيفي أكثر من أي جيل آخر
ملخص المقال

يرى مقال منشور على موقع The Conversation بقلم نيتين ديكها أن جيل زد يعاني من مستويات مرتفعة من الاحتراق الوظيفي مقارنة بالأجيال الأخرى، نتيجة تداخل عوامل متعددة تشمل الدخول إلى سوق العمل في ظل جائحة كوفيد-19 وما بعدها، وما رافق ذلك من ضعف في الخبرة العملية والتعلم غير الرسمي، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع الاستقرار الوظيفي وارتفاع تكاليف المعيشة. كما يوضح المقال أن التحولات في طبيعة العمل، مثل الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي والعمل الهجين، ساهمت في زيادة الشعور بالعزلة وفقدان الوضوح الوظيفي. ويؤكد أن الاحتراق الوظيفي لا يُعد مشكلة فردية بل مؤشرًا على خلل أوسع في بيئة العمل نفسها، حيث ينشأ من فجوة بين توقعات الموظف ومتطلبات العمل الفعلية. لذلك يدعو المقال إلى حلول مزدوجة تشمل تمكين الأفراد من بناء علاقات مهنية ووضع حدود واضحة للعمل، إلى جانب مسؤولية المؤسسات في تحسين بيئات العمل، وتوضيح التوقعات، وإعادة توزيع الأعباء، وتعزيز الدعم النفسي والإرشاد المهني، بما يسهم في تقليل الاحتراق ورفع جودة الحياة المهنية بشكل عام.

بقلم: نيتين ديكها

جيل زد يعاني من الاحتراق الوظيفي أكثر من أي جيل آخر، وهذه الظاهرة تتزايد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة، وفقًا لعدد من الدراسات الحديثة التي تشير إلى أن هذا الجيل يواجه مستويات غير مسبوقة من الضغط في بيئة العمل.

ورغم أن الاحتراق الوظيفي بات ظاهرة تشمل مختلف الفئات العمرية، إلا أن جيل زد وجيل الألفية يبدوان أكثر عرضة له في أعمار مبكرة. ففي الولايات المتحدة، أظهر استطلاع شمل نحو 2000 شخص بالغ أن ربع الأمريكيين يعانون من الاحتراق الوظيفي قبل بلوغ سن الثلاثين.

وفي دراسة بريطانية أُجريت خلال فترة امتدت إلى 18 شهرًا بعد جائحة كوفيد-19، تبيّن أن مستويات الاحتراق لدى أفراد جيل زد وصلت إلى نحو 80%. كما أشارت تقارير سابقة لهيئة الإذاعة البريطانية إلى أن هذا الجيل كان من بين الأكثر تأثرًا بهذه الظاهرة.

وعلى المستوى العالمي، أظهر استطلاع شمل 11 دولة وأكثر من 13 ألف موظف ومدير في الخطوط الأمامية أن 83% من العاملين من جيل زد يشعرون بالاحتراق الوظيفي، مقارنة بـ 75% لدى بقية الفئات.

كما أظهرت دراسة دولية أخرى في مجال الرفاه النفسي أن ما يقارب ربع الشباب بين 18 و24 عامًا يعيشون تحت ضغط نفسي غير قابل للإدارة، بينما أفاد 98% منهم بوجود عرض واحد على الأقل من أعراض الاحتراق الوظيفي.

وفي كندا، أشار استطلاع لمجلة Canadian Business إلى أن 51% من أفراد جيل زد يشعرون بالاحتراق الوظيفي، وهي نسبة أقل من جيل الألفية الذي سجل 55%، لكنها أعلى من جيل طفرة المواليد بنسبة 29% وجيل إكس بنسبة 32%.

وبالنظر إلى هذه الأرقام، ومع الخبرة الطويلة في التعليم الجامعي والتعامل مع طلاب جيل زد، إضافة إلى كوني أبًا لطفلين من هذا الجيل، تبدو مستويات الاحتراق الوظيفي لديهم مقلقة بشكل واضح. وبدلًا من التعامل مع هذه الشكاوى على أنها مبالغة أو عدم قدرة على تحمل ضغوط العمل، قد يكون من الأجدر النظر إليها كإشارة إلى خلل أعمق في بيئة العمل نفسها يحتاج إلى مراجعة وإصلاح.

لفهم هذه الظاهرة، من المهم أولًا توضيح ما هو الاحتراق الوظيفي. هذا المفهوم يختلف من شخص لآخر ومن مهنة لأخرى، لكنه في جوهره يحدث عندما يكون هناك عدم توافق بين ما يتوقعه الموظف من عمله وبين ما يتطلبه العمل فعليًا.

هذا عدم التوافق قد يظهر في عدة صور، مثل غموض المهام، أو زيادة عبء العمل بشكل يفوق القدرة، أو نقص الموارد أو المهارات اللازمة لإنجاز المطلوب.

وبشكل عام، يمكن القول إن الاحتراق الوظيفي يحدث عندما تتسع الفجوة بين توقعات الشخص عن العمل وبين واقعه الفعلي. وتشير الدراسات إلى أن الشباب، والنساء، والموظفين الأقل خبرة هم الأكثر عرضة لهذه الحالة.

عادة ما يمر الاحتراق الوظيفي بثلاث مراحل متتالية. تبدأ المرحلة الأولى بالإرهاق الشديد، وهو العرض الأكثر وضوحًا. ثم ينتقل الأمر إلى مرحلة من التبلد أو الانفصال النفسي عن العمل، حيث يبدأ الموظف بالشعور باللامبالاة أو الاغتراب تجاه ما يقوم به. ومع استمرار هذه الحالة، تتطور إلى المرحلة الثالثة التي تتمثل في انخفاض واضح في الشعور بالإنجاز أو الكفاءة الذاتية.

أما عن أسباب كون جيل زد أكثر عرضة للاحتراق، فهناك عدة عوامل متداخلة. أولها أن كثيرًا من أفراد هذا الجيل دخلوا سوق العمل خلال فترة جائحة كوفيد-19 وبعدها، وهي فترة اتسمت باضطرابات كبيرة وعزلة اجتماعية وتغيرات متسارعة في أنماط العمل.

هذه الظروف أثرت بشكل مباشر على عملية التعلم غير الرسمي التي تحدث عادة داخل بيئة العمل من خلال التفاعل اليومي مع الزملاء، وهو نوع من التعلم يصعب تعويضه في بيئات العمل عن بُعد.

العامل الثاني يتمثل في الضغوط الاقتصادية المتزايدة. وكما تشير بعض التحليلات الاقتصادية، فإن تراجع ما كان يُعرف بالعقد الاجتماعي الذي يربط التعليم الجامعي بفرص عمل مستقرة وذات دخل جيد، جعل الكثير من الشباب يدخلون سوق عمل أكثر هشاشة وعدم استقرار.

كما أن ارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، واتساع فجوة الدخل، وزيادة الاعتماد على الوظائف المؤقتة أو غير المستقرة، كلها عوامل تضيف مزيدًا من الضغط المالي على هذا الجيل.

أما العامل الثالث فيتعلق بإعادة تشكيل طبيعة العمل نفسها في ظل التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. حيث أصبح سوق العمل أكثر تعقيدًا، مع انتشار أنماط العمل الهجينة التي تقلل من التفاعل البشري المباشر، وزيادة الاعتماد على الأتمتة التي قد تفصل الموظف عن سياق العمل الكامل، إلى جانب انشغال القيادات الإدارية عن تقديم التوجيه الكافي.

وفيما يتعلق بما يمكن فعله، فإن أول ما يجب إدراكه هو أن الشعور بالاحتراق ليس مبالغة ولا حالة فردية معزولة، بل هو تجربة مشتركة يعاني منها كثيرون في نفس المرحلة العمرية وظروف العمل.

ومن أكثر الأمور التي يتم إغفالها في التعامل مع الاحتراق هو دور العزلة في تفاقمه. لذلك فإن أحد أهم الحلول يتمثل في بناء علاقات إنسانية داخل بيئة العمل، حتى وإن كانت بسيطة، مثل التواصل مع زميل بعد اجتماع أو تخصيص وقت أسبوعي للقاء غير رسمي مع أحد الزملاء.

كما أن من الضروري إعادة النظر في فكرة أن العمل المفرط يعني بالضرورة إنتاجية أعلى. وضع حدود واضحة للعمل، مثل تحديد أوقات محددة لإنجاز المهام وإعلام الآخرين بوضوح بأوقات التوفر، يمكن أن يساعد بشكل كبير في تقليل الضغط.

لكن في المقابل، لا يمكن الاعتماد على الأفراد فقط لتحمل المسؤولية. فالحلول الأكثر فاعلية يجب أن تأتي من داخل المؤسسات نفسها. على أصحاب العمل توفير بيئات عمل أكثر مرونة، ودعم الصحة النفسية بشكل فعلي، وليس شكلي فقط.

كما يجب على المديرين أن يكونوا أكثر وضوحًا في تحديد التوقعات الوظيفية، وأن تعمل المؤسسات على مراجعة أعباء العمل بشكل دوري وإعادة توزيعها بشكل عادل عندما تكون غير متوازنة.

وهناك أيضًا حاجة إلى إعادة تصميم بيئة التعلم داخل العمل، بحيث لا تقتصر على أداء المهام فقط، بل تشمل الإرشاد والتوجيه المستمر، وتقديم تغذية راجعة منتظمة، وتشجيع الفضول والقدرة على التكيف والتعلم المستمر.

في النهاية، فإن تحسين بيئة العمل لا يعود بالنفع على جيل زد فقط، بل ينعكس إيجابًا على جميع العاملين داخل المؤسسات. وكلما أصبحت بيئة العمل أكثر إنسانية ووضوحًا وتوازنًا، قلت معدلات الاحتراق وارتفع مستوى الأداء والرضا العام لدى الجميع.

المصدر

مقالات ذات صلة