بقلم: إيرينا رير
أصدرت الحكومة مؤخرًا الاستراتيجية الوطنية للشباب، التي تعد بتحسين الإرشاد المهني المقدم للشباب في إنجلترا. وهذه خطوة ضرورية بالفعل، لأن مستقبل العمل بالنسبة للمراهقين اليوم لم يعد يبدو كوجهة واضحة، بل أقرب إلى هدف يتحرك باستمرار. فبعد أقل من ثلاث سنوات على الانتشار الواسع لاستخدام ChatGPT، تغيّر سوق العمل بشكل واضح وسريع أمام أعين الشباب.
في الولايات المتحدة، انخفضت إعلانات الوظائف التي لا تتطلب شهادة جامعية بنسبة 18% منذ عام 2022، كما تراجعت الوظائف التي لا تتطلب خبرة سابقة بنسبة 20%. أما الوظائف الإدارية والمهنية، التي كانت في السابق بوابة الدخول الأساسية لخريجي المدارس، فقد انخفضت بنحو 40%.
ورغم التحذيرات المتكررة في العناوين الإخبارية من موجة فقدان جماعي للوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن الصورة أكثر تعقيدًا من ذلك. فالوظائف لا تختفي ببساطة، بل تتحول وتتغير طبيعتها، وفي الوقت نفسه تظهر وظائف جديدة لم تكن موجودة من قبل.
تشير بعض الدراسات إلى أن تبني التقنيات الحديثة قد يؤدي إلى اختفاء نحو مليوني وظيفة في المملكة المتحدة بحلول عام 2035. لكن في المقابل، يُتوقع أن يتم تعويض ذلك من خلال خلق حوالي 2.6 مليون وظيفة جديدة، خصوصًا في المجالات التي تتطلب مهارات عالية وفي قطاع الرعاية الصحية.
ومع هذا التحول الكبير في سوق العمل، تُظهر بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية التي شملت 80 دولة أن معظم الشباب ما زالوا يطمحون إلى وظائف تقليدية مثل الهندسة المعمارية والطب البيطري والتصميم، إضافة إلى الطب والتعليم والقانون، في حين يزداد الطلب الفعلي على الوظائف في القطاعات الرقمية والخضراء والتقنية. كما أن نحو ثلث الطلاب المشاركين في هذه الدراسات قالوا إن المدرسة لم تقدم لهم أي شيء مفيد يتعلق بسوق العمل.
والأكثر من ذلك أن الطلاب من الخلفيات الأقل حظًا هم الأكثر تضررًا. فهم يشاركون بشكل أقل في الأنشطة التي تساعدهم على تطوير مسارهم المهني، كما أن وصولهم إلى المعلومات المهنية عبر الإنترنت محدود، وهم أقل إدراكًا لقيمة التعليم في الانتقال إلى سوق العمل مستقبلاً.
وفي المقابل، فإن المهارات التي يعترف الشباب أنفسهم بأنهم يفتقرون إليها، مثل المهارات الرقمية والقدرة على الوصول إلى المعلومات، إضافة إلى الدافعية والإبداع والتفكير التأملي، هي نفسها المهارات التي يطلبها سوق العمل اليوم بشكل متزايد.
إن التحدي في سوق العمل هو في جوهره تحدٍ تعليمي. لكن المدارس لا تواكب العالم الذي يدخل إليه الطلاب. فعلى الرغم من التحولات الكبيرة والسريعة في سوق العمل، فإن تطلعات المراهقين المهنية لم تتغير تقريبًا منذ 25 عامًا.
في حين يمكن للطلاب الأكبر سنًا والخريجين الاعتماد على شبكات العلاقات أو الخبرات العملية السابقة، فإن خريجي المدارس لا يملكون هذه الامتيازات، ومع ذلك يُطلب منهم الاستعداد لمستقبل يتغير فيه سوق العمل بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.
مهارات المستقبل
يُقال للشباب باستمرار إن عليهم اكتساب مهارات المستقبل، لكن الأدلة المتعلقة بتحديد هذه المهارات ليست واضحة أو مستقرة، وغالبًا ما تكون متباينة أو متناقضة.
ومع ذلك، هناك بعض الأمور التي باتت واضحة. من أهمها أن المهارات الرقمية والمرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت ذات قيمة مرتفعة في سوق العمل. فالعاملون الذين يمتلكون مهارات في الذكاء الاصطناعي أو تعلم الآلة يحصلون على رواتب أعلى، وتشير الأدلة المبكرة إلى أن الإلمام بالذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يرفع الأجور في الوظائف غير التقنية بنسبة تصل إلى 36%.
كما أن متطلبات المهارات المعرفية ارتفعت بشكل ملحوظ. فقد أصبح التفكير النقدي، وهندسة الأوامر، أي القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة وتقديم تعليمات دقيقة وسياقية لأدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على نتائج مفيدة، إضافة إلى تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، من المهارات الأكثر طلبًا.
ومع ذلك، لا يمكن إسناد كل شيء إلى الذكاء الاصطناعي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأرقام. فرغم أن النماذج اللغوية الكبيرة تتفوق في معالجة النصوص، إلا أنها لا تزال أقل كفاءة في المهام الحسابية التي تعتمد على تحليل الأنماط أو التفكير العددي، رغم أن هذا قد يتغير مع تطور النماذج المستقبلية. وهذا يجعل من المهارات العددية القوية ميزة متزايدة للبشر، وليس مهارة في تراجع.
كما أن الإبداع والتعاطف لا يزالان في غاية الأهمية، حتى في عالم يسيطر عليه الذكاء الاصطناعي. فالمفارقة المستقبلية واضحة، إذ يُتوقع من الشباب أن يتعاملوا مع أنظمة الذكاء الاصطناعي بكفاءة عالية، وفي الوقت نفسه أن يقدموا الصفات الإنسانية التي لا تستطيع الآلات محاكاتها. عليهم أن يكونوا قادرين على التعامل مع البيانات، ويمتلكوا ذكاءً عاطفيًا، وأن يكونوا ملمين بالتقنيات الرقمية، وفي الوقت نفسه قادرين على التعاون الحقيقي مع الآخرين.
لكن المشكلة أن حتى أصحاب العمل أنفسهم يعيشون حالة من عدم الوضوح. فكثير من المؤسسات، خصوصًا الصغيرة والمتوسطة، لا تعرف بدقة ما المهارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تحتاجها، ولا كيف تحددها أو تبحث عنها. هذا الارتباك يظهر بوضوح في إعلانات الوظائف، التي تؤثر بدورها فيمن يتقدم للوظائف ومن يتم استبعاده.
وتُظهر أبحاث أن اللغة المستخدمة في وصف الوظائف تؤثر على نوعية المتقدمين من حيث الجنس والخلفية العرقية. فالإعلانات التي تركز على المرونة والصفات الرعائية تميل إلى جذب عدد أكبر من النساء، مما يعزز استمرار التفاوت في سوق العمل. وإذا كان أصحاب العمل أنفسهم غير متأكدين من المهارات التي يحتاجونها أو الرسائل التي يرسلونها، فمن غير المنطقي أن نتوقع من المدارس وحدها سد هذه الفجوة.
تحديد الطلب
لا تمتلك المملكة المتحدة نظامًا وطنيًا متكاملًا لمعلومات سوق العمل يمكن أن يساعد المدارس وصناع السياسات وأصحاب العمل على فهم اتجاهات الطلب في الوقت الحقيقي.
ولا يمكن ترك إعداد المراهقين للمستقبل لحصة إرشاد مهني واحدة أو لزيارة عابرة من صاحب عمل. كما لا يمكن الاعتماد فقط على المرشدين المهنيين الذين يعملون بشكل منفصل.
الحل يكمن في تبني نهج شامل على مستوى المدرسة، مدعوم بمنظومة سوق العمل الأوسع. وهذا يعني ربط كل مادة دراسية بمهارات العالم الواقعي وفرص العمل، وضمان أن يواجه كل طالب بشكل منتظم أصحاب عمل حقيقيين، وبيئات عمل واقعية، وفرصًا لبناء المهارات. كما يحتاج المراهقون إلى معلومات حديثة ودقيقة عن التعليم العالي والوظائف، وإلى دعم يساعدهم على تجاوز الصور النمطية والعوائق الاجتماعية.
المسألة ليست في إخبار الطلاب بوجود وظيفة واحدة صحيحة أو مسار واحد محدد للمستقبل، بل في تزويدهم بالأدوات التي تمكنهم من التعامل مع حالة عدم اليقين بثقة ووعي.
يحتاج الشباب إلى مدارس تفهم العالم الذي سيدخلون إليه، وإلى أصحاب عمل يدركون ما الذي يطلبونه منهم فعلًا. والأهم من ذلك، أنهم يحتاجون إلى أنظمة تعترف بأن مستقبل العمل قد تغيّر بالفعل، وتساعدهم على التكيف معه بدلًا من تركهم يواجهونه وحدهم.
