بقلم: كارين ميدلتون
لم يعد من الصعب على الأطفال اليوم أن يصادفوا محتوى مقلقًا أو ضارًا أثناء استخدامهم للإنترنت، سواء كان هذا المحتوى عنيفًا أو مرتبطًا بإيذاء النفس. وغالبًا ما يُفسَّر هذا الواقع على أنه قصور في أنظمة الرقابة أو فشل في سياسات الإشراف، لكن هذا التفسير يلامس السطح فقط، لأن الجذر الحقيقي للمشكلة اقتصادي بالدرجة الأولى.
فالإنترنت، كما نعرفه اليوم، قائم إلى حد كبير على نموذج أعمال يجعل جذب انتباه المستخدم هو الهدف الأسمى. الخوارزميات التي تقترح المحتوى للمستخدمين لا تعمل وفق معيار يميز بين ما هو مفيد أو ضار أو محايد، بل تتعامل مع جميع أنواع المحتوى على قدم المساواة من حيث قابليته لإبقاء المستخدم منخرطًا. لذلك تُوصف هذه الأنظمة بأنها غير معنية بطبيعة الموضوع بقدر ما هي معنية بمدى قدرتها على إبقاء المستخدم يشاهد ويتصفح ويتفاعل.
السبب في ذلك بسيط وواضح: الانتباه يدر المال.
معظم المنصات الرقمية تبدو مجانية، لكن هذا الانطباع مضلل. فهذه المنصات تعتمد بشكل أساسي على الإعلانات كمصدر للدخل. وكلما زاد الوقت الذي يقضيه المستخدم داخل المنصة، زادت فرص عرض الإعلانات عليه، وارتفعت قيمته في نظر المعلنين. ومن هنا يتشكل ما يُعرف باقتصاد الانتباه، حيث يصبح انتباه الإنسان موردًا يُتداول ويُستثمر ويُباع.
في هذا السياق، طُرح مفهوم رأسمالية المراقبة لوصف الطريقة التي تعمل بها هذه المنصات. فهي تجمع كميات هائلة من البيانات السلوكية عن المستخدمين، وتحاول التنبؤ بخطواتهم التالية، ثم تعيد ضبط أنظمتها بهدف التأثير في سلوكهم بطريقة تحقق أكبر قدر ممكن من الربح.
تكمن خطورة هذا النموذج في أن الدراسات تشير باستمرار إلى أن المحتوى المشحون عاطفيًا هو الأكثر قدرة على جذب التفاعل. كل ما يثير الخوف أو الغضب أو القلق أو الدهشة ينجح في إبقاء المستخدم متيقظًا ومنخرطًا. ولذلك تميل الخوارزميات إلى تضخيم هذا النوع من المحتوى، ليس لأنه مفيد أو ذو قيمة، بل لأنه فعال في تحقيق الهدف الأساسي وهو زيادة التفاعل.
بالنسبة للبالغين، قد يؤدي ذلك إلى تشويه النقاش العام وإضعاف جودة الحوار السياسي والاجتماعي. أما بالنسبة للأطفال، فإن التأثير يكون أعمق وأكثر حساسية، لأن شخصياتهم الرقمية والعاطفية لا تزال في طور التشكّل. الأطفال أكثر عرضة للتأثر بالمقارنة الاجتماعية، وأكثر تأثرًا بالقصص المقلقة والمحتوى المكثف عاطفيًا. وعندما تلاحظ الأنظمة أن طفلًا ما توقف عند هذا النوع من المحتوى أو بحث عنه أو تفاعل معه، فإنها تميل إلى تقديم المزيد منه.
وهكذا تتشكل حلقة مغلقة يصعب كسرها. فالتفاعل يقود إلى مزيد من التوصيات، وهذه التوصيات تزيد من التعرض، والتعرض يعزز التفاعل مرة أخرى. لا يوجد شخص يجلس خلف الشاشة ويستهدف المستخدم بشكل مباشر، بل هناك نظام يعمل باستمرار على تحسين نفسه لتحقيق أقصى درجات التأثير.
في النقاشات العامة، يبرز اقتراح متكرر يتمثل في تسريع إزالة المحتوى الضار. صحيح أن الإشراف على المحتوى ضروري، لكنه لا يعالج أصل المشكلة. فالمحتوى الضار لا يستمر في الانتشار بسبب غياب الحذف فقط، بل لأن الحوافز التي تدفع إلى انتشاره ما زالت قائمة.
طالما أن أرباح المنصات مرتبطة بقدرتها على جذب الانتباه، فإنها ستستمر في تفضيل المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل، بغض النظر عن طبيعته. لذلك فإن حذف منشور هنا أو هناك لا يغيّر الكثير إذا بقيت الخوارزميات تعمل بالمنطق نفسه.
هذا يفسر لماذا تعود قضية الأضرار الرقمية إلى الواجهة مرارًا، رغم ظهور أدوات جديدة وسياسات مختلفة تهدف إلى تعزيز الأمان. كما يوضح لماذا تبدو بعض الحلول المطروحة، مثل حظر وسائل التواصل الاجتماعي، غير قادرة على معالجة جذور المشكلة. فالباحثون في مجال حوكمة المنصات باتوا يؤكدون أن تحقيق بيئة رقمية آمنة يتطلب إعادة النظر في تصميم الأنظمة نفسها وفي الحوافز التي تحكمها.
ورغم أن الإعلانات نادرًا ما تكون في صلب النقاش العام حول السلامة الرقمية، فإنها في الواقع تشكل قلب هذا النظام. فإيرادات الإعلانات هي التي تموّل الخوارزميات، وتدعم جمع البيانات، وتغذي استراتيجيات زيادة التفاعل.
لا يعني ذلك أن المعلنين يسعون إلى إلحاق الضرر. كثير من الشركات لا تدرك حتى أين تظهر إعلاناتها ضمن الشبكات المعقدة للإعلانات الرقمية. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن التفاعل، أيا كان مصدره أو طبيعته، يتحول إلى قيمة اقتصادية.
في السنوات الأخيرة، بدأ هذا الواقع يخضع لمزيد من التدقيق. الجهات التنظيمية في بعض الدول بدأت في تطبيق قوانين جديدة لتنظيم السلامة على الإنترنت، كما ظهرت دعاوى قضائية تتعلق بالأضرار المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الباحثون قادرين على الاطلاع على بعض الوثائق الداخلية للمنصات. هذه التطورات تسهم في كشف ما كان يُنظر إليه سابقًا على أنه نظام غامض يصعب فهمه.
من المهم إدراك أن البيئة الرقمية لم تتشكل بشكل عفوي، بل كانت نتيجة قرارات متراكمة اتُّخذت على مدى سنوات طويلة، شملت جوانب تقنية واقتصادية وسياسية. وإذا كانت هذه البيئة قد صُممت بهذه الطريقة، فمن الممكن إعادة تصميمها بطريقة مختلفة.
النقاش الذي بدأ يخرج إلى العلن لم يعد يقتصر على لوم المستخدمين أو الدعوة إلى تقييد استخدام الأجهزة، بل أصبح يركز على سؤال الحوافز. ما نوع البيئة الرقمية التي تكافئها نماذج الأعمال الحالية؟ وما الخيارات البديلة التي يمكن أن توازن بين الابتكار وحماية رفاه المستخدمين؟
بالنسبة للعاملين في مجالي التكنولوجيا والإعلان، تمثل هذه اللحظة نقطة تحول مهمة. فمع تزايد وعي الجمهور، لم يعد من السهل الادعاء بأن هذه الأنظمة معقدة إلى درجة يستحيل فهمها أو التأثير فيها.
وإذا كان الهدف هو بناء فضاء رقمي أكثر أمانًا، فلا بد من تجاوز التركيز على المحتوى الفردي، والتوجه نحو فهم البنية التي تحدد لماذا ينتشر هذا المحتوى من الأساس. إن العلاقة بين الإعلانات والبيانات والخوارزميات ليست مسألة تقنية هامشية، بل هي المفتاح لفهم كيفية عمل الإنترنت اليوم، والطريق نحو إعادة تشكيله بما يحمي الأطفال بدلًا من استغلال انتباههم.
