القائمة الرئيسية

لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية الرقمية العامة لخدمة المواطنين بفعالية

لماذا يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى البنية التحتية الرقمية العامة لخدمة المواطنين بفعالية
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة كيف يشكّل تكامل البنية التحتية الرقمية العامة مع الذكاء الاصطناعي فرصة حاسمة لتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين، من خلال جعلها أكثر سرعة وكفاءة وشمولاً، مع التأكيد على أن نجاح هذا التقارب يعتمد على وجود بيانات موثوقة، وبنية حوسبة مشتركة، وحوكمة قوية تضمن الأمان والشفافية، إضافة إلى ضرورة تعامل الحكومات مع هذا التحول كأولوية استراتيجية لبناء أنظمة ذكية تعكس احتياجات مجتمعاتها وتحقق أثراً حقيقياً على أرض الواقع.

  • تدعم البنية التحتية الرقمية العامة (DPI) بالفعل الخدمات في عشرات الدول، ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يجعل هذه الخدمات أكثر سهولة واستجابة.
  • كما أن العكس صحيح أيضاً، إذ إن مبادئ البنية التحتية الرقمية العامة مثل قابلية التشغيل البيني والثقة تشكّل الأساس الذي يحتاجه الذكاء الاصطناعي ليعمل بأمان وشمولية على نطاق واسع.
  • ومع ذلك، فإن التقارب بين البنية التحتية الرقمية العامة والذكاء الاصطناعي لن يحدث تلقائياً، ويجب على الحكومات أن تتعامل معه كأولوية أساسية ضمن قدرات الدولة.

تصل أم إلى مركز صحي ريفي مع طفل يعاني من حمى شديدة وطفح جلدي. تحتاج الممرضة إلى التحقق من التاريخ الطبي للطفل، والتأكد من أهليته لبرنامج حكومي بدون نقد، واتخاذ قرار العلاج بسرعة. في كثير من الأحيان، يعني هذا طوابير طويلة وملفات ورقية، بل وأسوأ من ذلك، سوء المعاملة.

مع الأسس الرقمية المناسبة، يمكن أن يبدو الأمر مختلفاً تماماً. يمكن التحقق من الهوية خلال ثوانٍ، واسترجاع السجلات بموافقة المريض، وإجراء المدفوعات فوراً. ويمكن لوكيل ذكاء اصطناعي بسيط ومتعدد اللغات أن يوجّه الممرضة عبر الخطوات الأساسية.

هذا هو الوعد العملي عند تقاطع البنية التحتية الرقمية العامة والذكاء الاصطناعي.

كيف تقدّم البنية التحتية الرقمية العامة الخدمات على نطاق واسع
على مدى العقد الماضي، استثمرت العديد من الدول في البنية التحتية الرقمية العامة: وهي مكوّنات رقمية مشتركة تمكّن الجهات العامة والخاصة من تقديم الخدمات بأمان على مستوى السكان.

عملياً، تشمل هذه البنية الهوية الرقمية، والمدفوعات الفورية، والسجلات الموثوقة، وآليات تبادل البيانات القائمة على الموافقة التي تسمح بانتقال المعلومات بشكل آمن بين الجهات المختلفة. تتنوع الأمثلة من أنظمة الهوية الرقمية والمدفوعات الفورية والخزائن الرقمية في الهند إلى أنظمة تبادل البيانات في إستونيا وأنظمة الدفع في البرازيل، وهي تصاميم مختلفة تتأثر بالسياق المحلي لكنها تتشارك في قابلية التشغيل البيني والثقة والشمول.

ويشهد العالم الآن تحولاً ثانياً. إذ ينتقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجارب إلى الاستخدام اليومي، حيث يساعد في البحث عن المعلومات بشكل أسرع، وتلخيص الحالات، واكتشاف الأنماط، ودعم اتخاذ القرار. وتبحث الحكومات كيفية استخدامه لتحسين تقديم الخدمات في مجالات الصحة والتعليم والتدريب والخدمات الموجهة للمواطنين.

لقد أعادت القمم العالمية الأخيرة حول البنية التحتية الرقمية العامة وتأثير الذكاء الاصطناعي تسليط الضوء على الإمكانات الكبيرة لهذين المجالين.

لكن الفرصة الأهم لا تكمن في استخدام كل منهما بشكل منفصل، بل في تقاربهما.

من جهة، هناك “الذكاء الاصطناعي من أجل البنية التحتية الرقمية العامة”، أي استخدام الذكاء الاصطناعي لجعل الخدمات أكثر سهولة واستجابة وكفاءة. ومن جهة أخرى، هناك “البنية التحتية الرقمية العامة من أجل الذكاء الاصطناعي”، أي استخدام مبادئ هذه البنية لإنشاء أسس تجعل الذكاء الاصطناعي أكثر أماناً وملاءمة محلية وشمولاً. كلا الجانبين يعزّز الآخر.

ومع ذلك، لم يتحقق هذا التقارب على نطاق واسع بعد، لأن نجاحه يتطلب وجود بنية موثوقة يمكن للذكاء الاصطناعي العمل من خلالها. ففي العديد من الدول، لا تزال البيانات والعمليات مجزأة بين الجهات المختلفة، مما يحد من قدرة الذكاء الاصطناعي على الاستفادة منها بشكل موثوق. كما أن تمويل الذكاء الاصطناعي غالباً ما يكون في شكل مشاريع تجريبية بدلاً من اعتباره بنية تحتية مشتركة، ما يعيق التوسع.

الذكاء الاصطناعي من أجل البنية التحتية الرقمية العامة: تحويل الأنظمة الرقمية إلى خدمات موجهة للمواطن
اليوم، تتطور قدرات الذكاء الاصطناعي بسرعة، لكن تأثيره الفعلي لا يزال أبطأ. يتم الاحتفاء بإطلاق نماذج أكثر ذكاءً باستمرار، لكن السؤال هو: كيف يفيد ذلك المزارع أو الطفل المريض أو الطالب في منطقة ريفية؟

يهدف هذا التوجه إلى توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي ليشمل جميع السكان، وتحسين النتائج وتجربة المستخدم اعتماداً على البنية الرقمية القائمة.

ويظهر ذلك بطريقتين عمليتين:

أولاً، هناك قدرات ذكاء اصطناعي عامة يمكن أن تحسّن الخدمات العامة المعتمدة على البنية الرقمية، مثل خدمات الهوية أو المدفوعات أو تبادل البيانات.

فعلى سبيل المثال، توفّر مبادرات دعم اللغات والواجهات الصوتية المدعومة بالذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى الخدمات بلغات متعددة، ما يوسّع نطاق استخدامها.

كما تُظهر مبادرات جمع بيانات لغوية محلية كيف يمكن تطبيق مبادئ البنية الرقمية – مثل المعايير المشتركة والتشغيل البيني – لإنشاء بيانات قابلة لإعادة الاستخدام تدعم تطوير الذكاء الاصطناعي.

وتظهر الأدلة أيضاً أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعزّز دور المعلمين بدلاً من استبدالهم. فقد أظهرت تجارب استخدام أدوات تصحيح مدعومة بالذكاء الاصطناعي أن الطلاب يتحسنون من خلال التغذية الراجعة المخصصة، بينما يتمكن المعلمون من تخصيص وقت أكبر للتفاعل الفردي.

البنية التحتية الرقمية العامة من أجل الذكاء الاصطناعي: بناء أسس ذكاء اصطناعي سيادي
هذا الجانب أقل وضوحاً لكنه لا يقل أهمية، ويقوم على ثلاث ركائز رئيسية:

  1. أساس بيانات موثوق
    يساعد اعتماد نهج البنية الرقمية في تسهيل الوصول إلى بيانات محلية عالية الجودة تعكس الواقع الثقافي واللغوي والديموغرافي، وهو أمر حاسم خاصة في الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

كما تُظهر الأبحاث أن العديد من نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية تعكس قيماً ثقافية محدودة، ما قد يؤدي إلى قرارات غير متوازنة في مجالات مثل الخدمات الاجتماعية أو الائتمان أو الرعاية الصحية إذا لم تتوفر بيانات محلية كافية.

  1. مسار مشترك للحوسبة
    يمكن تطبيق مبادئ المشاركة والتشغيل البيني على موارد الحوسبة، من خلال منصات مشتركة توفر قدرات حوسبة ميسورة وقابلة للتوسع دون احتكارها.
  2. حوكمة مدمجة في تشغيل الأنظمة
    تعتمد الثقة في البنية الرقمية على مبادئ مثل الخصوصية والأمان والمساءلة، ويجب أن تنطبق هذه المبادئ أيضاً على الذكاء الاصطناعي. يشمل ذلك الشفافية، وإمكانية التدقيق، والمساءلة في كيفية استخدام البيانات وتدريب النماذج.

معاً، تشكّل هذه الركائز أساساً لذكاء اصطناعي يخدم المصلحة العامة، ويكون أكثر تمثيلاً ومرونة وتوافقاً مع القيم المجتمعية.

أجندة عملية لصنّاع القرار
يمثل تقارب البنية التحتية الرقمية العامة والذكاء الاصطناعي نقطة تحول في كيفية تقديم الخدمات العامة وخلق القيمة.

لكن ما يجب أن يتغير هذه المرة هو التنسيق. فقد أدت الموجات السابقة إلى تطبيقات منفصلة ومشاريع تجريبية لم تتمكن من التوسع. ولن ينجح هذا التقارب إلا إذا تم التعامل معه كجهد حكومي متكامل يشمل جميع الجهات.

ينبغي البدء من المجالات التي تحقق فيها البنية الرقمية بالفعل مستوى من الثقة، واستخدام الذكاء الاصطناعي لإزالة التعقيدات اليومية. كما يجب اختيار خدمات عالية الاستخدام وتطبيق حلول عملية لتحسين تجربة المواطنين.

في قطاع الرعاية الصحية الأولية، على سبيل المثال، يمكن للتحقق من الهوية والوصول إلى السجلات الطبية بموافقة المريض أن يقلل التكرار، بينما يساعد الذكاء الاصطناعي في تسريع الإجراءات وتحسين دقتها.

كما ينبغي تطوير مجموعة محدودة من قدرات الذكاء الاصطناعي المشتركة وإعادة استخدامها عبر الخدمات، مثل الواجهات متعددة اللغات، والمساعدة في تعبئة النماذج، وأنظمة كشف الأخطاء.

ومن الضروري أيضاً الاستثمار في بناء بنية تحتية وطنية للذكاء الاصطناعي تقلل الاعتماد على النماذج المستوردة، وتدعم الابتكار المحلي.

الفرصة واضحة أمام الحكومات: التعامل مع هذا التقارب كأولوية استراتيجية. الدول التي تتحرك بسرعة لن تطور فقط أنظمة ذكية تتوافق مع احتياجاتها، بل ستقدم أيضاً خدمات أفضل وأكثر تركيزاً على المواطن.

وفي النهاية، عندما تعود تلك الأم إلى العيادة، ينبغي أن تقضي الممرضة وقتاً أقل في التعامل مع الأنظمة وأكثر في تقديم الرعاية، لأن الهوية والسجلات يتم التحقق منها بسهولة، والخدمات تُقدّم بسرعة، والذكاء الاصطناعي مدمج بطريقة واضحة ومسؤولة.

المصدر

مقالات ذات صلة