القائمة الرئيسية

لماذا يعتمد توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي على ثقافة الشركات لا على منطق الرابحين والخاسرين

لماذا يعتمد توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي على ثقافة الشركات لا على منطق الرابحين والخاسرين
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة أن نجاح توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، بل يرتكز أساسًا على بناء ثقافة مؤسسية مشتركة تُوحّد الفهم والهدف بين جميع الفرق، حيث إن غياب هذه الثقافة يؤدي إلى استخدام مجزأ وضعيف للتقنيات، بينما تمكّن الثقافة الصحيحة الأفراد من الثقة بالذكاء الاصطناعي وفهمه وتطويره، مما يمنح المؤسسات والدول القدرة على التكيف والابتكار دون الوقوع في منطق الرابحين والخاسرين.

  • إن دمج تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على مجرد اعتماد أدوات جديدة.
  • تحتاج الشركات والدول إلى إدماج الذكاء الاصطناعي في ثقافتها، من خلال بناء فهم مشترك لما يمكن وما ينبغي أن تحققه هذه الأدوات التكنولوجية الجديدة.
  • إن إنشاء ثقافة للذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الشركات والدول على اكتساب المرونة اللازمة لمواجهة المستقبل.

لطالما كانت النقاشات حول التكنولوجيا في عالم الأعمال تدور حول نفس التحذيرات: “إما أن تُحدِث disruption أو تتعرض له”، “هناك رابحون وخاسرون”، “لا تتخلف عن الركب”. هذه العبارات تُسمع في المؤتمرات والعروض التقديمية للمستثمرين.

وهي ليست خاطئة تمامًا. فالتغيير الجذري واقع، والأسواق تتغير، والمنظمات التي تفشل في التكيف قد تتراجع. لكن هذا الإطار الفكري يعاني من نقطة عمياء كبيرة، وبعد أكثر من عقدين من الخبرة في قطاع الاتصالات والتكنولوجيا، أعتقد أنه يكلفنا أكثر مما ندرك.

تكمن هذه النقطة العمياء في التركيز شبه الكامل على ما يمكن للتكنولوجيا أن تفعله، دون الاهتمام بمن سيستخدمها وكيف. فالتبني يُنظر إليه كنتيجة ثنائية: إما أن تمتلك التكنولوجيا أو لا تمتلكها.

لكن العامل الأكثر صعوبة وتأثيرًا هو عامل إنساني بحت: الثقافة. فهي الفهم المشترك بين مجموعة من الأشخاص لما يسعون إلى تحقيقه باستخدام الأداة التي بين أيديهم.

بناء ثقافة للذكاء الاصطناعي

لقد رأيت مؤسسات تستثمر بكثافة في منصات وأنظمة متقدمة جدًا، لتكتشف بعد 18 شهرًا أنها لم تحقق نتائج تُذكر. ليس لأن التكنولوجيا فشلت، بل لأن الأشخاص في مختلف الأقسام لم يكن لديهم هدف مشترك أو لغة مشتركة لاستخدام هذه الأدوات.

وهذا هو التحدي الحقيقي أمام توسيع نطاق الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات أو على مستوى الدول. وأعتقد أن الحل لا يكمن في خوارزميات أفضل، بل في نسج “ثقافة ذكاء اصطناعي” داخل نسيج المؤسسة، بل وحتى داخل المجتمع.

بالنسبة للكثيرين، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كحل سحري يُتوقع منه حل المشكلات تلقائيًا. لكنه في الحقيقة ليس حلاً جاهزًا لمشكلات تنظيمية معقدة. إنه قدرة، وقيمته تعتمد كليًا على الأشخاص الذين يستخدمونه والنية المشتركة التي تقف وراء استخدامه.

إن بناء ثقافة للذكاء الاصطناعي يعني ضمان أن جميع أفراد المؤسسة — من فرق التكنولوجيا، إلى الموارد البشرية، إلى المالية، وصولًا إلى الفرق التي تتعامل مع العملاء — يتحدثون نفس اللغة حول هدف الذكاء الاصطناعي وكيفية تحقيق القيمة منه. بدون هذه اللغة المشتركة، لا يمكن تحقيق التوسع، بل تظهر فقط تجارب متفرقة وبيانات معزولة دون اتفاق واضح حول من يمكنه الوصول إليها أو كيفية استخدامها.

الثقة في الذكاء الاصطناعي والتحقق منه والبناء عليه

غالبًا ما نتحدث عن الذكاء الاصطناعي كما لو أن قوته تأتي من الآلة، لكن الحقيقة مختلفة. القوة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تكمن في قدرته على توسيع حدس الإنسان، خاصة أولئك الذين يمتلكون خبرة عميقة ويعرفون ما ينجح وما لا ينجح، ويستطيعون استشعار الأنماط قبل تفسيرها.

بالنسبة لهؤلاء، يمنحهم الذكاء الاصطناعي شيئًا لم يكن متاحًا من قبل: القدرة على فهم سبب صحة حدسهم، وتطبيق هذا الفهم على نطاق واسع لا يمكن للفرد تحقيقه بمفرده.

هذا ليس مجرد طرح نظري. ففي كل عام خلال موسم الحج، عندما يتوجه المسلمون من جميع أنحاء العالم إلى مكة في المملكة العربية السعودية، تقوم شركة Mobily بإدارة عمليات الشبكة لأحد أكبر وأكثف التجمعات البشرية في العالم. يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لتوقع الطلب وحركة الحشود، وتخصيص الموارد، والحفاظ على جودة خدمات الاتصالات والإنترنت عبر ملايين الاتصالات المتزامنة في مساحة جغرافية محدودة.

لكن التحسينات السنوية لهذا النظام لا تأتي من النموذج نفسه، بل من الأشخاص الذين يدرسون ما قام به النموذج، ويفهمون أسبابه، ويستخدمون هذا الفهم لتحسين أدائهم في العام التالي. السؤال ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على إدارة التعقيد، بل ما إذا كان البشر قادرين على فهم ما يقوم به الذكاء الاصطناعي بما يكفي للثقة به، والتحقق منه، والبناء عليه.

وهذا يتطلب استثمارًا في الكفاءات، وعلماء بيانات يضمنون إمكانية تتبع كيفية اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى تدريب يتجاوز الجانب التقني ليشمل العادات التنظيمية.

مستقبل التحول نحو الذكاء الاصطناعي

وهنا أعود إلى الفكرة التي أود التخلي عنها.

إن إطار “الرابحين والخاسرين”، واعتبار التغيير التكنولوجي آلية حتمية للفرز، يفترض أن التكنولوجيا هي العامل الأساسي. لكن في تجربتي، العامل الأساسي هو دائمًا الإنسان: مدى فهمه لهدف مشترك، وقدرته على ربط قراراته اليومية بالنتائج المرجوة، ومدى ثقته في الأدوات والمؤسسات التي يعمل معها وداخلها.

ثقافة الذكاء الاصطناعي لا تترك أحدًا خلفها. فهي لا تحتوي على خاسرين بطبيعتها، لأن أساسها هو لغة مشتركة، وهدف موحد، وقدرة بشرية على فهم وتوجيه الآلات التي نعمل معها.

إن التحول القادم كبير، لكن المؤسسات — والدول — التي ستنجح في اجتيازه ليست بالضرورة تلك التي تمتلك أكثر التقنيات تقدمًا، بل تلك التي بنت الثقافة المناسبة قبل وصول التكنولوجيا. وهذا ما سيمنحها المرونة للتكيف مع المستقبل ومواجهة ما سيأتي.

المصدر

مقالات ذات صلة