- تشكل المخاطر النظامية بشكل متزايد مسار النمو الاقتصادي في عصر يتسم بالتقلبات الجيوسياسية والمناخية والتكنولوجية.
- وغالبًا ما تكون غير مرئية في البداية، لكنها تعمل كضريبة خفية على النمو، حيث ترفع التكاليف، وتثبط الابتكار، وتضعف مرونة الاقتصادات.
- وفي فترة تتسم بتعقيد غير مسبوق في المخاطر، يمكن لصناعة التأمين أن تساعد في تحويل حالة عدم اليقين النظامي إلى أساس للنمو المستدام.
في عصر يتسم بالتجزئة الجيوسياسية، وتقلبات المناخ، والاضطرابات التكنولوجية، والأزمات الصحية العامة، يبرز عامل واحد بشكل متزايد في تحديد مسار النمو الاقتصادي: المخاطر النظامية.
وغالبًا ما تكون هذه المخاطر غير مرئية في البداية، لكنها تعمل كضريبة خفية على النمو، إذ ترفع تكلفة الاستثمار بهدوء، وتثبط الابتكار، وتضعف مرونة الاقتصادات. وعندما تتحول إلى أزمات، تكون عواقبها سريعة وشديدة.
وقد أبرزت جائحة كوفيد-19 ذلك بوضوح؛ ففي عام 2020، انكمش الاقتصاد العالمي بنحو 4.4%، وهو من أعمق حالات الركود في زمن السلم في التاريخ الحديث. وما بدأ كأزمة صحية عامة سرعان ما امتد عبر سلاسل التوريد، والأنظمة المالية، وأسواق العمل في جميع أنحاء العالم.
قضايا المناخ والتوترات الجيوسياسية تزيد من المخاطر النظامية
تزداد المخاطر النظامية الأخرى وضوحًا أيضًا. فمع تزايد وتيرة الكوارث المرتبطة بالمناخ وشدتها، تضطر شركات التأمين في بعض المناطق إلى تقليص أو سحب التغطية بالكامل.
وتؤدي فجوات الحماية الناتجة إلى تأثيرات تتجاوز قطاع التأمين، حيث تؤثر على أسواق العقارات والاستثمار المحلي واستقرار الاقتصادات الإقليمية المعرضة لمخاطر المناخ.
وفي الوقت نفسه، أدت التوترات الجيوسياسية واضطرابات التجارة إلى زيادة التقلبات في سلاسل التوريد العالمية للقطاعات والمواد الحيوية، مما ساهم في استمرار الضغوط التضخمية.
ومؤخرًا، هددت الحرب في الشرق الأوسط طرق الشحن الرئيسية التي تنقل جزءًا كبيرًا من إمدادات النفط العالمية، مما يبرز مدى سرعة انتقال الصدمات الجيوسياسية إلى أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي الأوسع.
وتتزامن هذه التطورات مع تحول هيكلي أوسع نحو التجزئة الجيوسياسية والاقتصادية. فبعد أن كانت مجمعات المخاطر العالمية تتيح تنويعًا فعالًا وتقاسمًا للمخاطر عبر الحدود، أصبحت الدول والكتل الإقليمية مضطرة بشكل متزايد لتطوير حلول محلية.
ويعكس ذلك اتجاهًا أوسع: فالمخاطر النظامية لا تزداد فحسب، بل تصبح أكثر تمركزًا إقليميًا، مما يؤثر على كفاءة رأس المال والتسعير والمرونة الاقتصادية.
وتُظهر هذه الديناميكيات مجتمعة أن المخاطر النظامية الحديثة نادرًا ما تظل محصورة في قطاع واحد، بل تنتشر عبر الأنظمة الاقتصادية المترابطة، مما يزيد من عدم اليقين ويبطئ الاستثمارات اللازمة للحفاظ على النمو طويل الأجل.
الصدمات النظامية تهدد استقرار النظام المالي
تختلف الصدمات النظامية عن الاضطرابات الاقتصادية المعزولة، إذ تهدد استقرار النظام المالي بأكمله وليس المؤسسات الفردية فقط. ونتيجة لذلك، تمتد آثارها إلى أسواق الائتمان وقرارات الاستثمار وثقة الاقتصاد.
وعندما تشتد المخاطر النظامية، تتباطأ الوساطة المالية، حيث تصبح البنوك والمؤسسات المالية أقل استعدادًا أو قدرة على الإقراض، مما يحرم الشركات من رأس المال اللازم للتوسع والابتكار.
كما يمكن للأنظمة المالية المترابطة أن تضخم الصدمات، حيث تؤدي الإخفاقات في مؤسسة أو سوق واحد إلى تأثيرات متسلسلة عبر الأسواق الأخرى، مما يفرض عمليات بيع سريعة للأصول ويعزز دوامات الهبوط في الأسواق.
وتواجه المؤسسات المالية بشكل متزايد مخاطر مشتركة، مثل انخفاض أسعار الفائدة لفترات طويلة وتقلبات الأسواق. وعندما تتحقق هذه المخاطر في الوقت نفسه، قد تواجه عدة مؤسسات صعوبات متزامنة، في وقت يكون الاقتصاد في أمسّ الحاجة إليها.
وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى سوء تخصيص رأس المال، حيث يتجه المستثمرون نحو الأصول الآمنة مثل الذهب بدلًا من القطاعات الإنتاجية، مما يؤدي إلى تباطؤ الاستثمار طويل الأجل وتراجع الابتكار وضعف زخم النمو الاقتصادي.
إلى جانب ذلك، تظهر فئات جديدة من المخاطر النظامية، مثل تغير المناخ والتهديدات السيبرانية والأوبئة، التي يمكن أن تعطل اقتصادات بأكملها في وقت واحد، وتتطلب حلولًا جماعية تتجاوز الحدود الوطنية والقطاعية.
الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من الهشاشة النظامية
في الوقت نفسه، يؤدي صعود الذكاء الاصطناعي إلى إضافة طبقة جديدة من المخاطر النظامية. ومع تركّز قدرات الذكاء الاصطناعي في نماذج كبيرة، بدأت الاعتبارات الجيوسياسية تتقاطع مع مواقع تطوير هذه الأنظمة واستضافتها وإدارتها.
كما أن البنية التحتية المادية التي تدعم الذكاء الاصطناعي، مثل مراكز البيانات وسلاسل توريد أشباه الموصلات، تتركز جغرافيًا وتتعرض لمخاطر التوترات الجيوسياسية والاضطرابات المادية.
وهذا يخلق أشكالًا جديدة من المخاطر النظامية، حيث يمكن أن تؤدي الأعطال أو القيود أو النزاعات التي تؤثر على نقاط رئيسية في منظومة الذكاء الاصطناعي إلى تأثيرات متسلسلة عبر الصناعات التي تعتمد بشكل متزايد على هذه التقنيات.
في مثل هذه البيئة، يصبح عدم اليقين نفسه عائقًا أمام النمو. فعندما لا تستطيع الشركات قياس المخاطر، تؤجل قرارات الاستثمار، وعندما يشعر الأفراد بعدم الأمان، يتراجع الاستهلاك، مما يؤدي إلى تباطؤ التنمية الاقتصادية.
من نقل المخاطر إلى تحقيق الاستقرار الاقتصادي
لكن لا يجب أن تظل المخاطر ضريبة خفية على النمو.
يلعب التأمين دورًا فريدًا في تحويل عدم اليقين إلى مرونة. فمن خلال قياس المخاطر وتجميعها ونقلها، تمكّن صناعة التأمين الشركات والحكومات والمجتمعات من الاستثمار بثقة أكبر، حتى في أوقات عدم اليقين.
تاريخيًا، ساهم التأمين في دعم التنمية الاقتصادية من خلال حماية الأصول، واستقرار الأنظمة المالية، وتمكين ريادة الأعمال. واليوم، يتوسع دور هذا القطاع مع مواجهة المجتمعات لتحديات نظامية جديدة.
أولًا، يمكن لشركات التأمين المساعدة في بناء المرونة قبل وقوع الصدمات، من خلال نماذج متقدمة لتحليل المخاطر والبيانات وأنظمة الإنذار المبكر، مما يساعد على الاستعداد للتهديدات الناشئة.
ثانيًا، يمكن للتأمين تعبئة رأس المال نحو التكيف والمرونة، عبر تصميم منتجات تحفز الحد من المخاطر، مثل البنية التحتية المقاومة للمناخ أو تحسين الأمن السيبراني.
ثالثًا، تُعد الشراكات بين القطاعين العام والخاص ضرورية لمعالجة المخاطر التي تتجاوز قدرة أي قطاع بمفرده، مثل التأمين ضد الأوبئة وآليات تقاسم مخاطر الكوارث وصناديق مرونة المناخ.
وأخيرًا، يمكن للتأمين دعم نمو أكثر شمولًا، إذ لا يزال مليارات الأشخاص وملايين الشركات الصغيرة غير مؤمّنين أو ناقصي التأمين، مما يجعلهم عرضة لصدمات قد تمحو سنوات من التقدم.
ويمكن لتوسيع الوصول إلى التأمين من خلال المنصات الرقمية ومنتجات التأمين المصغّر والشراكات أن يعزز مرونة الاقتصادات بأكملها.
تحويل إدارة المخاطر إلى استراتيجية للنمو
يدخل العالم مرحلة من التعقيد غير المسبوق في المخاطر، لكنه أيضًا يواجه فرصة مهمة.
ومن خلال إعادة تصور كيفية قياس المخاطر وتقاسمها والتخفيف منها، يمكن لصناعة التأمين أن تحول عدم اليقين النظامي إلى أساس للنمو المستدام، وأن تجعل من المرونة محفزًا للازدهار بدلًا من كونها تكلفة.
وعندما تتم إدارة المخاطر بفعالية، لن يكون النمو مقيدًا بعدم اليقين، بل مدعومًا بالمرونة.
