القائمة الرئيسية

السيارات الكهربائية تتجاوز نقطة التحول الحاسمة وتتحرر من ارتباطها بأسعار النفط

السيارات الكهربائية تتجاوز نقطة التحول الحاسمة وتتحرر من ارتباطها بأسعار النفط
ملخص المقال

يتناول المقال على موقع the conversation

بقلم فييت نغوين تيان وغافين دي جي هاربر وروبرت إليوت التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية بوصفه مرحلة مختلفة عن موجات سابقة ارتبطت بأزمات النفط، مشيرة إلى أن هذا التحول لم يعد مدفوعًا بتقلبات أسعار الطاقة بل بتطورات بنيوية في تكنولوجيا البطاريات التي انخفضت تكلفتها بشكل حاد منذ 2010، ما جعل السيارات الكهربائية تنافس سيارات الوقود بل وتتفوق عليها في بعض الأسواق من حيث التكلفة الكلية والملكية طويلة الأمد. كما توضح أن انتشارها السريع عالميًا يعكس تحولها من منتج تقني إلى منصة اقتصادية متكاملة تعتمد على الشبكات والشحن وإعادة التدوير، بما يشبه منظومات الهواتف الذكية. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يلغي التحديات بل يعيد تشكيلها، إذ ينتقل مركز القوة الجيوسياسي من النفط إلى المعادن الحرجة وسلاسل التوريد مثل الليثيوم والكوبالت، مع ما يرافق ذلك من مخاطر سياسية واقتصادية. وتخلص المقالة إلى أن ما نشهده ليس مجرد تغيير في وسائل النقل، بل إعادة هيكلة عميقة للاقتصاد العالمي وسلاسل الطاقة، تحمل مكاسب كبيرة لكنها غير متكافئة التوزيع وتفرض تحديات اجتماعية وجيوسياسية مستمرة.

بقلم: فييت نغوين تيان وغافين دي جي هاربر وروبرت إليوت

عندما أُغلق مضيق هرمز في شهر مارس وارتفع سعر النفط إلى 120 دولارًا للبرميل، عاد إلى الواجهة سؤال قديم: هل هذه هي اللحظة التي تنطلق فيها السيارات الكهربائية بشكل نهائي، أم أنها مجرد بداية أخرى لا تكتمل؟

لقد تكرر هذا المشهد من قبل. فقد شهدت السيارات الكهربائية موجة صعود بعد حظر النفط عام 1973، ثم تراجعت عندما انخفضت الأسعار، ثم عادت للارتفاع مرة أخرى. لكن في كل مرة كانت الموجة تنتهي عندما يخف الضغط الخارجي الذي دفعها في البداية.

هذه المرة، يبدو أن القصة مختلفة. فبحسب ورقة بحثية جديدة، فإن الجدوى الاقتصادية للسيارات الكهربائية لم تعد تعتمد على أسعار النفط، بل أصبحت تتطور وفق ديناميكياتها الخاصة. العامل الحاسم هنا هو التطور الهائل في تكنولوجيا البطاريات، وليس تقلبات أسواق الطاقة. ومع ذلك، فإن الصورة الكاملة تشير أيضًا إلى أن هذا التحول، رغم قوته، يخلق تحديات جديدة لا تقل تعقيدًا عن المشكلات التي يسعى لحلها.

لماذا تبدو هذه المرة مختلفة

السبب الأبرز يتمثل في الانخفاض الكبير في تكلفة البطاريات. فمنذ عام 2010 تراجعت الأسعار بنسبة تقارب 93%. هذه النسبة وحدها كفيلة بتغيير قواعد اللعبة بالكامل. ففي عام 2010 كانت تكلفة البطارية الواحدة تتجاوز ألف دولار لكل كيلوواط/ساعة، بينما انخفضت بحلول عام 2025 إلى نحو 108 دولارات فقط. هذا التراجع لم يحدث صدفة، بل جاء نتيجة تراكم سنوات من التطوير، وزيادة الاستثمارات، والدعم السياساتي المستمر.

وتشير الدراسات إلى أنه كلما تضاعف حجم الإنتاج العالمي للبطاريات، انخفضت التكلفة بنحو 9%. هذه حلقة متكررة، المزيد من الإنتاج يؤدي إلى انخفاض الأسعار، وانخفاض الأسعار يؤدي إلى زيادة الطلب، وزيادة الطلب تعيد توسيع الإنتاج.

بعكس سبعينيات القرن الماضي، لم يعد هذا المسار يعتمد على أزمات النفط. فقد وصلت السيارات الكهربائية في كثير من الدول الأوروبية إلى نقطة تعادل أو حتى تفوق في التكلفة الإجمالية مقارنة بسيارات البنزين. وفي سوق السيارات المستعملة أصبحت السيارات الكهربائية الأقل تكلفة في الملكية على المدى الطويل. كما أن الطرازات الحديثة باتت قادرة على مجاراة سيارات البنزين في العمر الافتراضي، وهو ما لم يكن ممكنًا في الأجيال الأولى من هذه التقنية.

أما على مستوى الانتشار العالمي، فقد تجاوزت المبيعات 17 مليون سيارة في عام 2024، وهو معدل من أسرع معدلات انتشار التكنولوجيا في تاريخ قطاع النقل. في النرويج، اقتربت السوق من التحول الكامل نحو الكهرباء، بينما وصلت إثيوبيا إلى نحو 60% من مبيعات السيارات الجديدة كهربائية، مدفوعة بتوفر الطاقة الكهرومائية منخفضة التكلفة، وهي نسبة تفوق بكثير دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة التي لا تزال عند حدود 8%.

السيارة الكهربائية ليست مجرد محرك بل منصة اقتصادية

التحول الأعمق لا يتعلق بالجوانب التقنية فقط، بل بطبيعة النموذج الاقتصادي نفسه. فالسيارة الكهربائية لم تعد مجرد وسيلة نقل بمحرك مختلف، بل أصبحت منصة متكاملة تتوسع قيمتها مع توسع النظام المحيط بها، تمامًا كما حدث مع الهواتف الذكية التي لم تعتمد قيمتها على العتاد فقط، بل على التطبيقات والخدمات والأنظمة المرتبطة بها.

كل محطة شحن جديدة تجعل امتلاك السيارة الكهربائية أكثر جاذبية. وكل تحديث برمجي يضيف قيمة للأسطول القائم بالفعل. وكل بطارية يتم إعادة تدويرها تعود لتدخل في دورة الإنتاج من جديد، مما يقلل التكلفة الإجمالية. هذه ليست مجرد تحسينات تقنية، بل تأثيرات شبكية اقتصادية تتراكم بمرور الوقت.

ولهذا السبب واجهت تقنيات بديلة مثل سيارات خلايا الوقود الهيدروجينية صعوبة في الانتشار، رغم وجود التقنية نفسها، لأن المنظومة المحيطة بها لم تكتمل بنفس الطريقة.

تشير دراسات على سلوك السائقين إلى أن ما يعرف بقلق المدى، أي الخوف من نفاد شحن البطارية أثناء القيادة، له تكلفة اقتصادية حقيقية، لأنه يدفع الناس لتجنب رحلات يمكنهم القيام بها. لكن هذه المشكلة تتراجع بسرعة، ليس فقط بسبب تطور البطاريات، بل بسبب توسع شبكات الشحن.

كما أن توفير معلومات فورية عن توفر محطات الشحن يمكن أن يرفع حصة السيارات الكهربائية في السوق بنسبة تتراوح بين 6 و8 نقاط مئوية بحلول عام 2030. إضافة إلى ذلك، فإن مرونة شحن السيارات الكهربائية تجعلها جزءًا من شبكة الطاقة نفسها، حيث يمكن شحنها أو تفريغها في أوقات مختلفة بحسب الحاجة، ما يحولها من مجرد مستهلك للكهرباء إلى عنصر داخل منظومة الطاقة.

تحول الاعتماد من النفط إلى المعادن

إن إنهاء الاعتماد على النفط لا يعني بالضرورة التخلص من التبعية الجيوسياسية، بل يعني انتقالها إلى شكل آخر.

في السنوات الأخيرة، بدأت الصين تفرض قيودًا على تصدير المواد التي تحتوي على نسب معينة من المعادن النادرة، ما يعكس انتقال مركز القوة من السيطرة على النفط إلى السيطرة على سلاسل توريد المعادن والمعالجة الصناعية.

المعادن الأساسية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت والنيوديميوم أصبحت في قلب هذا التحول، لكنها تحمل بدورها مخاطر سياسية واقتصادية، إضافة إلى آثار اجتماعية في الدول المنتجة لها. هذه الديناميكيات تخلق تحديًا مستمرًا أمام استقرار سلاسل الإمداد.

في المقابل، أدى ارتفاع أسعار بعض هذه المعادن إلى دفع الأبحاث نحو تقنيات تقلل الاعتماد عليها أو تستغني عنها بالكامل. واليوم، أصبحت أكثر من نصف بطاريات السيارات الكهربائية في العالم خالية من الكوبالت.

كما أصبح من المجدي اقتصاديًا إعادة تدوير الليثيوم والكوبالت من البطاريات المستعملة، مما يقلل الاعتماد على الاستخراج من مناطق حساسة سياسيًا. وفي الوقت نفسه، تسعى بعض الدول إلى تطوير مصادر جديدة للمعادن الحرجة بهدف تنويع سلاسل الإمداد.

تحول حقيقي لكن ليس بلا تعقيد

تُظهر أزمة مضيق هرمز مدى خطورة الاعتماد على مصادر طاقة مركزة مثل النفط. لكن التحول نحو السيارات الكهربائية لا يحتاج إلى هذه الأزمات ليستمر في مساره. فتكاليف البطاريات تستمر في الانخفاض، وشبكات الاستخدام تتوسع، والجدوى الاقتصادية تتحسن بشكل متسارع.

ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يلغي المخاطر الجيوسياسية، بل يعيد توزيعها. فبدل أن تكون السيطرة على النفط هي مصدر النفوذ، أصبحت السيطرة على المعادن وسلاسل التصنيع والتقنيات هي مركز القوة الجديد. وهذه السلاسل ليست أقل حساسية أو أقل تركّزًا.

كما أن التحولات الصناعية الكبرى تترك آثارًا اجتماعية واضحة. فبعض المناطق التي تعتمد على صناعة السيارات التقليدية تواجه خسائر في الوظائف، حتى لو كانت الصورة الكلية للاقتصاد إيجابية على المدى الطويل. وفي المقابل، تظهر وظائف جديدة في تصنيع السيارات الكهربائية، والتي قد تكون أكثر كثافة في العمالة في بعض المراحل، خاصة في الدول الغربية، على عكس ما يحدث في الصين حيث تعتمد المصانع بشكل متزايد على الأتمتة الكاملة إلى حد تشغيل منشآت شبه خالية من العمال.

في النهاية، ما يحدث ليس مجرد انتقال تقني، بل إعادة تشكيل كاملة لسلاسل الطاقة والصناعة والاقتصاد العالمي. المكاسب موجودة، لكنها لا تتوزع بشكل متساوٍ، وهنا يكمن التحدي الحقيقي الذي لا يزال مفتوحًا.

المصدر

مقالات ذات صلة