ملخص: يبين المقال على موقع the conversation بقلم جاي إل. زاجورسكي أن استخدام الذكاء الاصطناعي في التسعير المخصص، حيث يُعرض لكل عميل سعر مختلف بناءً على بياناته وسلوكه، يتوسع سريعًا عبر قطاعات متعددة لما يحققه من أرباح أعلى للشركات، لكنه يثير مخاوف تتعلق بالعدالة والشفافية. فبينما كان هذا النوع من التسعير شائعًا تاريخيًا قبل انتشار الأسعار الثابتة، يعود اليوم بشكل أكثر تعقيدًا بفضل البيانات الضخمة والدفع الإلكتروني، ما يسمح للشركات بتقدير استعداد كل فرد للدفع بدقة. ويرى الكاتب أن هذا النهج قد يضر بالمستهلكين الأقل خبرة مالية، خاصة مع صعوبة اكتشافه أو تنظيمه، رغم بعض المحاولات القانونية للحد منه. ويقترح تقليل تتبع البيانات—مثل استخدام النقد أو محو سجل التصفح—كوسيلة للتخفيف من تأثيره، محذرًا من أن السعر لم يعد يعكس قيمة المنتج بقدر ما يعكس قدرة العميل على الدفع، ما يستدعي نقاشًا أوسع حول مستقبل التسعير في عصر الذكاء الاصطناعي.
بقلم: جاي إل. زاجورسكي
أعلنت شركة دلتا للطيران مؤخرًا أنها ستوسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في تحديد أسعار تذاكرها، وهو ما أثار قلق المسافرين وبعض الساسة. لكن دلتا ليست الشركة الوحيدة التي تسعى إلى استخدام هذه التقنية؛ إذ انتشرت هذه الممارسة بالفعل في قطاعات متعددة، من الخدمات المالية إلى الألعاب الإلكترونية.
يقوم التسعير المخصص على فكرة أن يدفع كل عميل سعرًا مختلفًا مقابل المنتج نفسه. ويُعد هذا النهج هدفًا مثاليًا للشركات لأنه يزيد أرباحها، إذ يدفع العملاء الأكثر إنفاقًا أسعارًا أعلى، بينما يحصل الحساسون للأسعار على أسعار أقل. وكما تُفصَّل الملابس لتناسب كل شخص، يُصمَّم السعر هنا ليتوافق مع قدرة كل عميل ورغبته في الدفع.
أنا أستاذ أدرّس طلاب إدارة الأعمال كيفية تحديد الأسعار، وقد تناولت في كتابي الأخير «قوة النقد: لماذا يُعد استخدام النقود الورقية مفيدًا لك وللمجتمع» المشكلات المرتبطة بهذا النوع من التسعير. ما يقلقني تحديدًا هو أن نماذج التسعير المعتمدة على الذكاء الاصطناعي تفتقر إلى الشفافية، وقد تستغل بشكل غير عادل الأفراد الذين لا يمتلكون خبرة مالية كافية.
تاريخ التسعير المخصص
على مدى فترات طويلة من التاريخ، كان التسعير المخصص هو القاعدة. فقد كان التجار يقيّمون كل عميل على حدة، ثم يساومونه وجهًا لوجه، وكان السعر النهائي يعتمد على مهارات التفاوض لدى الطرفين ومدى حاجتهما.
توضّح نكتة قديمة هذه الفكرة: كان رجل ثري جدًا يتجوّل بعربته في وقت الإفطار، فشعر بالجوع وطلب من سائقه التوقف عند أقرب مطعم. دخل وطلب بيضًا، ثم سأل عن الحساب. وعندما رأى السعر، استغرب وسأل صاحب المطعم إن كان البيض نادرًا في المنطقة. فأجابه صاحب المطعم بأن البيض متوفر بكثرة، لكن الرجال الأثرياء نادرون.
ولا يزال هذا النوع من التسعير قائمًا في بعض القطاعات، مثل معارض السيارات، حيث يُتفاوض على سعر مختلف لكل سيارة. ويطلق الاقتصاديون على ذلك «التمييز السعري من الدرجة الأولى» أو «الكامل»، لأنه يتيح للبائع أن يفرض على كل عميل الحد الأقصى الذي هو مستعد لدفعه.
ومع ذلك، فإن معظم المتسوقين اليوم لا يساومون، بل يتعاملون مع أسعار ثابتة. ويرى كثير من الباحثين أن انتشار هذه الأسعار يعود إلى متجر جون وناميكر في فيلادلفيا، الذي افتُتح عام 1876، حيث وُضعت أسعار ثابتة وغير قابلة للتفاوض على جميع السلع. وقد سهّل ذلك عملية التسوق وجعلها أكثر وضوحًا، فانتشرت الفكرة بسرعة.
لماذا انتشرت الأسعار الموحدة
توفّر الأسعار الثابتة مزايا عديدة للشركات. فهي تسمح بتوظيف موظفين برواتب منخفضة بدلًا من الحاجة إلى خبراء في التفاوض، كما تسهّل عملية تحديد الأسعار.
في السابق، اعتمدت كثير من الشركات على أسلوب «التكلفة مضافًا إليها هامش ربح»، أي إضافة نسبة ثابتة إلى تكلفة المنتج لتغطية الأرباح والمصاريف. ولا تزال بعض الشركات، مثل كوستكو، تعتمد هذا الأسلوب، حيث تضيف هامشًا لا يتجاوز نحو 15 في المئة على تكلفة كل سلعة.
لكن هذا النهج يعامل جميع المنتجات بالطريقة نفسها، وهو ما لا يعكس اختلاف استعداد العملاء للدفع. فمثلًا، من يشتري شمبانيا فاخرة يكون مستعدًا لدفع هامش ربح أعلى بكثير من شخص يشتري نبيذًا منخفض السعر. وهنا يأتي دور الذكاء الاصطناعي، الذي يمكنه تحديد السعر الأمثل لكل منتج على حدة.
ماذا يعني التسعير المخصص للمستهلكين
يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى كميات كبيرة من البيانات ليعمل بكفاءة. وقد أدى التحول من الدفع النقدي إلى الإلكتروني إلى تمكين الشركات من جمع كم هائل من المعلومات عن العملاء.
هذا الكم من البيانات أثار انتباه الجهات التنظيمية؛ ففي عام 2024 أصدرت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية مذكرات قانونية لعدد من الشركات المالية الكبرى، مطالبةً بتوضيح كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي والبيانات لتغيير الأسعار بناءً على سلوك المستهلكين ووضعهم المالي. كما أظهرت تجارب أن بعض الأنظمة الذكية قد تتعاون فيما بينها لرفع الأسعار دون تدخل بشري.
وللحد من هذه الممارسات، تفرض بعض الولايات قوانين تُلزم بعرض سعر موحّد لكل منتج، لكن حتى مع هذه القوانين يمكن الالتفاف عليها عبر القسائم الرقمية الموجهة التي تمنح كل عميل خصمًا مختلفًا.
كيف يمكن التغلّب على التسعير المخصص
هناك طرق يمكن من خلالها تقليل تأثير هذا النوع من التسعير، وجميعها تعتمد على تقليل البيانات التي تحصل عليها الأنظمة الذكية عنك.
أولًا، عند التسوق من المتاجر التقليدية، يُفضّل استخدام النقد، لأنه لا يترك أثرًا رقميًا يمكن تتبعه.
ثانيًا، عند التسوق عبر الإنترنت، يمكن مسح سجل التصفح وملفات تعريف الارتباط، إذ توفّر هذه البيانات معلومات واسعة عن سلوكك. ورغم أن البعض كان يعتقد أن هذه الخطوة غير مفيدة، فإن تحليلات حديثة تشير إلى أن الخوارزميات الجديدة تأخذ هذه البيانات في الحسبان عند تحديد الأسعار.
ثالثًا، تعتمد بعض الأنظمة على موقعك الجغرافي كمؤشر على مستوى دخلك. وقد حدث أن عرض جهاز أحد الأشخاص سعرًا منخفضًا لتذكرة طيران عندما كان في منطقة فقيرة، ثم ارتفع السعر بشكل كبير بعد استخدام شبكة خاصة افتراضية جعلت موقعه يبدو في منطقة ثرية. وعند إيقاف هذه الشبكة عاد السعر إلى مستواه السابق.
أخيرًا، كما في التفاوض التقليدي، قد يكون التردد أحيانًا مفيدًا. فعند التسوق عبر الإنترنت، يمكن وضع المنتج في سلة الشراء والانتظار قليلًا قبل إتمام العملية، إذ قد يدفع ذلك الموقع إلى تقديم خصم لتحفيزك على الشراء.
لقد أتاح التطور التقني إمكانية تصميم منتجات مخصصة بتكلفة منخفضة، ومع انتشار الدفع الإلكتروني والذكاء الاصطناعي أصبح التسعير المخصص واقعًا متزايد الحضور. وفي هذا السياق، لا يعني السعر المرتفع بالضرورة جودة أعلى، بل قد يعكس ببساطة تقدير الشركة لقدرتك على الدفع.
وقد يساعد استخدام النقد في الحد من هذه الظاهرة، لكن تسارع تطور الذكاء الاصطناعي يجعل من الضروري فتح نقاش أوسع حول كيفية تحديد الأسعار، قبل أن يصبح التسعير المخصص هو القاعدة السائدة.
تحديث: في الأول من أغسطس، نفت شركة دلتا أنها تعتزم استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديد أسعار فردية لكل عميل، مؤكدة في رسالة إلى المشرّعين أنها لم تستخدم، ولا تختبر، ولا تخطط لاستخدام أي نظام يستهدف العملاء بأسعار مخصصة بناءً على بياناتهم الشخصية.
