ملخص: يبين المقال على موقع the conversation بقلم جاغديب سينغ أن العملاء لم يعودوا بحاجة إلى خدمة العملاء لحل المشكلات البسيطة، بل يلجؤون إليها أساسًا عند مواجهة قضايا معقدة تتطلب حلولًا فعلية وسريعة، لا اعتذارات متكررة أو مجاملات مطوّلة. وتشير الدراسات إلى أن الإفراط في الاعتذار يضعف فاعلية الموظفين، بينما يزيد رضا العملاء عندما تُقدَّم لهم حلول واضحة ومتعددة تمنحهم إحساسًا بالتحكم. ورغم الخسائر الضخمة الناتجة عن ضعف خدمة العملاء عالميًا، لا تزال الشركات تركّز على تدريب الموظفين على اللطف بدلًا من تطوير مهارات حل المشكلات الأكثر تعقيدًا. ومع انتشار القنوات الرقمية والخدمة الذاتية، أصبح العملاء أكثر وعيًا وتوقعًا، ما يفرض على الشركات إعادة تصميم تجربة الخدمة بالتركيز على جودة الحلول وسرعة تقديمها، حتى لو تطلّب ذلك تغييرًا جذريًا في أساليب التدريب والتعامل.
بقلم: جاغديب سينغ
العملاء قادرون في الغالب على التعامل مع المشكلات البسيطة بأنفسهم، وقد أظهرت الدراسات أنهم حين يلجؤون إلى موظفي خدمة العملاء فإنهم يبحثون عن معالجة حقيقية للمشكلات المعقّدة، ويتوقعون حلولًا واضحة وخيارات متعددة أو إجابات مباشرة، لا عبارات اعتذار متكررة.
اعتمدت إحدى الدراسات على تسجيلات مصوّرة لتفاعلات بين موظفي شركات الطيران والعملاء، بهدف تحليل سلوك الطرفين. وقد تم تحليل الإشارات غير اللفظية لدى الموظفين في أكثر من مئة حالة، وتبيّن أن الإفراط في الاعتذار يضعف من قدرتهم على أداء دورهم الأساسي في حلّ المشكلات بفاعلية.
تحاول الشركات منذ زمن طويل تحسين مستوى خدمة العملاء، إلا أن التقدم في هذا المجال لا يزال محدودًا. ففي عام 2017، أظهرت دراسة أن نحو 62 مليون أسرة في الولايات المتحدة واجهت مشكلة واحدة على الأقل تتعلق بالخدمة خلال عام واحد، وهو ما أدى إلى شعور 56 في المئة من العملاء بالغضب أو الانزعاج الشديد.
ولم يتمكن سوى ربع العملاء تقريبًا من حل مشكلاتهم من خلال تواصل واحد فقط مع الشركة، في حين اضطر 19 في المئة إلى التواصل أكثر من سبع مرات للوصول إلى حل. وعلى الرغم من ذلك، ظل 80 في المئة منهم غير راضين حتى بعد انتهاء المشكلة.
وتُقدَّر الخسائر الناتجة عن ضعف القدرة على حل المشكلات بنحو 313 مليار دولار من المبيعات سنويًا في الولايات المتحدة وحدها.
ولا يقتصر ضعف خدمة العملاء على الشركات الأمريكية. فقد أظهر استطلاع أجرته شركة إرنست ويونغ أن المستهلكين في أستراليا يواجهون وضعًا مشابهًا، إذ أفاد 56 في المئة منهم بتلقي خدمة دون المستوى المقبول خلال عام واحد، كما أعرب 57 في المئة ممن تقدموا بشكاوى عن عدم رضاهم عن طريقة معالجة المشكلة. وذهب 47 في المئة من العملاء الغاضبين إلى نشر شكاواهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكن الشركات لم تستجب في 75 في المئة من هذه الحالات.
وتبلغ الخسائر الناتجة عن هذه الإخفاقات في أستراليا نحو 720 دولارًا أستراليًا لكل تجربة سلبية، وما يقارب 40 مليار دولار سنويًا.
ومع تطور الإنترنت وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تغيّرت طبيعة المشكلات التي يواجهها العملاء. فقد أصبحوا يفضّلون حل المشكلات البسيطة والمتكررة بأنفسهم عبر الموارد الرقمية التي توفرها الشركات، بينما يتوجهون إلى خدمة العملاء في الحالات الأكثر تعقيدًا أو المفاجئة أو العاجلة.
كما أصبح العملاء جزءًا من مجتمع واسع يتبادل الخبرات ويعبّر عن تجاربه بشكل علني، ما جعلهم أكثر وعيًا بما يمكن أن يحصلوا عليه من نتائج، وأكثر إدراكًا للطرق التي ينبغي أن تُدار بها عملية حل المشكلات.
وأظهرت دراسة سوقية أجريت عام 2017 في أمريكا الشمالية أن العملاء يعتمدون بشكل متزايد على قنوات الخدمة الذاتية، مثل صفحات الأسئلة الشائعة والمنتديات الإلكترونية والوكلاء الافتراضيين والتطبيقات المحمولة وروبوتات المحادثة، وهي أدوات لم تكن متاحة بهذا الانتشار قبل سنوات قليلة.
وتشير التوقعات إلى أن المساعدات الذكية ستجعل استخدام هذه القنوات أكثر سهولة، وهو ما يدفع المؤسسات المتقدمة إلى تطوير أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمواكبة هذا التحول. ومن الأمثلة على ذلك قيام إحدى شركات الاستشارات الاستثمارية بتجربة نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمساعدة موظفي خدمة العملاء في التعامل مع استفسارات العملاء الواردة عبر الهاتف، مع التوجه مستقبلاً إلى تمكين العملاء من التفاعل المباشر مع هذه الأنظمة، وترك المهام الأكثر تعقيدًا للموظفين.
وتوضح الأبحاث أن على موظفي خدمة العملاء إبداء التعاطف أو تقديم الاعتذار في بداية التفاعل فقط، ولمدة لا تتجاوز بضع ثوانٍ، ثم الانتقال سريعًا إلى التفكير في حلول عملية. فقد تبيّن أن العملاء ينظرون إلى الأحاديث الجانبية والمجاملات المطوّلة على أنها علامة على ضعف الكفاءة.
كما أن تقديم أكثر من خيار لحل المشكلة يمنح العميل شعورًا بالسيطرة. ففي إحدى التجارب، عُرض على المشاركين موقف يتعلق بفقدان حقيبة تحتوي على ملابس وأغراض مهمة لمقابلة عمل. في أحد السيناريوهين قُدّم حل واحد فقط، وفي الآخر قُدّمت ثلاثة حلول متقاربة. وعلى الرغم من أن المشاركين اختاروا الحل نفسه في الحالتين، فإن مستوى رضاهم كان أعلى عندما توفرت لهم عدة خيارات.
ويكمن الفرق الحقيقي في جودة الحلول المطروحة وتعددها، لا في مجرد الوصول إلى نتيجة.
ومع ذلك، لا تزال كثير من الشركات تركّز في تدريب موظفيها على مهارات التواصل اللطيف وإشعار العملاء بالراحة، لأن هذا النوع من التدريب أسهل في التطبيق والقياس، وأكثر قابلية للتوحيد. أما مهارات التفكير الإبداعي وحل المشكلات فهي أكثر تعقيدًا، ولا يسهل تدريب الموظفين عليها أو تقييمها، وهو ما يشكّل التحدي الأكبر أمام مؤسسات الخدمة.
إن على الشركات أن تتخلى عن الأساليب السهلة والمألوفة في التعامل مع مشكلات العملاء، وأن تتبنى نهجًا أكثر عمقًا وجرأة، حتى لو بدا غير بديهي في البداية. فمواجهة هذا التحدي يمكن أن يحقق عوائد كبيرة، ويسهم في تقليل الخسائر المالية الناتجة عن تجارب العملاء السلبية.
