القائمة الرئيسية

المال مهم، لكن الرعاية أهم

المال مهم، لكن الرعاية أهم
ملخص المقال

في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، غالبًا ما يكون هناك تعارض مباشر بين الفرص الاقتصادية وحضور الوالدين في حياة الأطفال

ملخص: يبين المقال على موقع البنك الدولي بقلم ألاكا هولا أن هجرة الأهل للعمل في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل تخلق مفاضلة صعبة بين تحسين الدخل وحرمان الأطفال من الرعاية المباشرة، وهي مشكلة عالمية تظهر بوضوح في الصين وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وغيرها. ورغم أن الأطفال الذين تُترك رعايتهم لأقارب غالبًا ما يعيشون في أسر أكثر دخلًا، إلا أن غياب الوالدين يؤدي إلى تراجع واضح في التحصيل الدراسي والصحة النفسية، حيث يسجل هؤلاء الأطفال درجات أقل في الرياضيات والمفردات ويكونون أكثر عرضة للاكتئاب، ما يثبت أن الموارد المالية لا تعوض غياب الرعاية الأبوية. ويخلص المقال إلى أن بناء رأس المال البشري لا يعتمد على المال فقط بل على جودة الرعاية داخل الأسرة، وأن السياسات الفعالة يجب أن تركز على دعم بيئات الرعاية، بما في ذلك تكييف برامج الدعم لتشمل الأجداد الذين يتولون دورًا أساسيًا في تربية الأطفال في غياب الوالدين.

بقلم: ألاكا هولا

في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، غالبًا ما يكون هناك تعارض مباشر بين الفرص الاقتصادية وحضور الوالدين في حياة الأطفال. عندما يكون العمل بعيدًا عن المنزل، سواء في مدينة بعيدة أو في بلد آخر، يضطر الأهل إلى الاختيار بين كسب المال لأطفالهم أو البقاء معهم في المنزل. وتبيّن أن آثار هذا الاختيار أعمق بكثير مما يدركه معظم الناس. وتقدّم تجربة الصين أحد أغنى الأدلة على ذلك، لكن القصة في الحقيقة عالمية.

الحجم العالمي للمشكلة

عند النظر إلى أنماط الإقامة المشتركة عبر الدول التي تتوفر فيها بيانات مسحية قابلة للمقارنة، يظهر نمط لافت: نسبة غير بسيطة من الأطفال في أجزاء عديدة من العالم يعيشون دون وجود أي من الوالدين (الشكل 1). ففي مناطق من أفريقيا جنوب الصحراء، وجنوب آسيا، وأمريكا الوسطى، يؤدي الهجرة الاقتصادية، سواء الداخلية أو الدولية، إلى فصل الأطفال عن والديهم بشكل متكرر لأشهر أو حتى سنوات. وتحدث الديناميكية نفسها في الريف الصيني، كما تحدث عندما يهاجر الأهل عبر الحدود بدلًا من داخل البلد، سواء من الفلبين إلى دول الخليج، أو من المكسيك إلى الولايات المتحدة، أو من مولدوفا إلى أوروبا الغربية.

الشكل 1: نسبة الأطفال الذين يعيشون بدون أي من والديهم

الموارد لا تعوّض نقص الرعاية

يُظهر التقرير أن الفجوات بين الأطفال تظهر مبكرًا، حتى قبل بدء الدراسة، وتستمر طوال الطفولة والمراهقة (ولمزيد من النتائج يمكن الاطلاع على الرسوم التفاعلية في التقرير). إن بناء رأس المال البشري يتطلب كلاً من الموارد والرعاية. فالنظام الغذائي الصحي، والكتب، والمراحيض، والتعليم كلها تسهم في بناء رأس المال البشري، وعلى الأسر إنفاق المال عليها.

لكن المنزل مهم أيضًا لأن أفراد الأسرة يعتنون عادةً ببعضهم البعض، وبخاصة الآباء الذين يعتنون بأطفالهم. فهم يلعبون ويغنون معهم، ويقرأون لهم، ويقدمون نموذجًا للسلوك الجيد، ويساعدونهم على التعامل مع المشاعر المعقدة. وهذه استثمارات لا يمكن للدخل وحده أن يعوضها.

في التقرير، نستخدم بيانات من “دراسة الأسر في الصين” لفحص ما يحدث لرأس المال البشري للأطفال الذين يبقون في رعاية أقارب آخرين عندما يهاجر والداهم للعمل. هؤلاء الأطفال يتيحون لنا فرصة فريدة لدراسة دور الرعاية، لأن أسرهم غالبًا ما تكون أعلى دخلًا، وليس أقل.

وبالفعل، تشير نتائجنا إلى أن غياب كلا الوالدين له عواقب كبيرة على رأس المال البشري للأطفال.

في الشكل، نعرّف الطفل بأنه “مُهمل/مُترك” إذا أبلغ أنه لا يرى والديه إطلاقًا خلال أسبوع عادي. وتشير البيانات إلى أن طفلًا واحدًا من كل أربعة أطفال في الريف الصيني مرّ بهذه الحالة في مرحلة ما من طفولته. كما يمكن التمييز بين هؤلاء الأطفال بفضل الطبيعة الطولية للبيانات، إذ نتابع الأطفال من عمر 10 إلى 17 عامًا ثلاث مرات على الأقل، مما يسمح بتمييز من هم في هذه الحالة حاليًا، ومن كانوا فيها سابقًا، ومن كانوا فيها بشكل مزمن عبر جميع جولات الدراسة .

تُظهر النتائج أن الأطفال الذين تُركوا عندما هاجر والداهم للعمل يعيشون في أسر ذات دخل سنوي أعلى. وعادةً ما تؤدي الموارد الأعلى إلى رأس مال بشري أفضل. لكن عند النظر إلى مؤشرات رأس المال البشري الفعلية، تظهر صورة مختلفة تمامًا.

الأطفال الذين لا يرون والديهم إطلاقًا خلال أسبوع عادي يحصلون على درجات أقل في الرياضيات والمفردات، كما أنهم أكثر عرضة للشعور بالاكتئاب. وإذا نظرنا إلى الأطفال الذين يعيشون هذه الحالة حاليًا لكن لم يكونوا فيها سابقًا، نجد أنهم متأخرون بنصف سنة دراسية في الرياضيات، وبربع سنة في المفردات مقارنةً بالأطفال الذين لم يمروا بهذه الحالة أبدًا، كما أنهم أكثر عرضة بنسبة 20% للشعور بالاكتئاب. أما الأطفال الذين مرّوا بهذه الحالة في الماضي لكنهم ليسوا فيها حاليًا، فما زالوا يُظهرون عجزًا في الرياضيات والمفردات والصحة النفسية.

الرسالة واضحة: المال مهم، لكن وجود الوالدين أهم.

ماذا يمكن فعله؟

في تقرير بناء رأس المال البشري حيثما يهم، نؤكد أن تحسين نتائج الأطفال يتطلب سياسات تركّز على تحسين بيئات الرعاية. ونلخّص الأدلة على برامج تسعى إلى ذلك عبر تقديم استشارات للآباء حول كيفية توفير رعاية منزلية أكثر دعمًا، إضافة إلى برامج ما قبل المدرسة التي تبني بشكل مباشر المهارات المعرفية والاجتماعية والعاطفية للأطفال.

بالنسبة للأطفال الذين يبقون في المنزل عندما يهاجر والداهم للعمل، يجب إعادة تصميم هذه البرامج مع أخذ الأجداد في الاعتبار. فالأجداد هم مقدمو الرعاية الأساسيون فعليًا لكثير من هؤلاء الأطفال، رغم أن معظم برامج التربية تستهدف الأمهات. إن تكييف هذه البرامج لتناسب الأجداد، الذين قد يواجهون تحديات مختلفة في فهم احتياجات الطفل والاستجابة لها، يمثل فجوة سياسية مهمة وغير مستكشفة بشكل كافٍ. إن سد هذه الفجوة يُعد من أكثر الاستثمارات المباشرة التي يمكن أن نقوم بها لدعم الأطفال الذين يكبرون دون وجود والديهم بالقرب منهم.

المصدر

مقالات ذات صلة