القائمة الرئيسية

كيف يمكن تعزيز التعلم في البلدان منخفضة الدخل: زيادة الإيرادات أم خفض التكاليف؟

كيف يمكن تعزيز التعلم في البلدان منخفضة الدخل: زيادة الإيرادات أم خفض التكاليف؟
ملخص المقال

تخيل أنك مُكلّف ببناء مدرسة بميزانية لا تكفي إلا لشراء كومة من الطوب، دون إسمنت أو نوافذ أو مواد تسقيف. هذا تقريبًا ما يبدو عليه تمويل التعليم في العديد من البلدان منخفضة الدخل.

ملخص: يدعو المقال على موقع البنك الدولي بقلم دييغو أنجيل-أوردينولا وفاتن جويدرا ونواه يارو أن التعليم في البلدان منخفضة الدخل يواجه أزمة تمويل حادة، حيث لا يتجاوز الإنفاق السنوي لكل طفل مستويات متدنية جدًا، ما يجعل حتى بناء “مدرسة أساسية” بكل مقوماتها أمرًا شبه مستحيل. ورغم التزام هذه الدول نسبيًا بنسب الإنفاق الموصى بها على التعليم، فإن ضعف الإيرادات العامة وتزايد السكان والديون وتراجع المساعدات الخارجية يحدّ من قدرتها على توفير الحد الأدنى من شروط التعلم الفعّال، ما ينعكس في استمرار معدلات عالية من “فقر التعلم”. ويشير المقال إلى أن زيادة الإنفاق ترتبط بتحسن النتائج التعليمية، لكن حتى التدخلات الفعّالة منخفضة التكلفة تبقى صعبة التمويل أو غير مستدامة دون دعم خارجي. ويخلص إلى أن الحل يكمن في تعبئة موارد مالية محلية وخارجية بشكل أكثر كفاءة، عبر تحسين الضرائب، وإعادة توجيه الإنفاق، والاستفادة من التمويل الخاص والمساعدات، بهدف بناء أنظمة تعليم أكثر قدرة على تحقيق تعلم حقيقي ومستدام.

بقلم: دييغو أنجيل-أوردينولا وفاتن جويدرا ونواه يارو

تخيل أنك مُكلّف ببناء مدرسة بميزانية لا تكفي إلا لشراء كومة من الطوب، دون إسمنت أو نوافذ أو مواد تسقيف. هذا تقريبًا ما يبدو عليه تمويل التعليم في العديد من البلدان منخفضة الدخل. فبمتوسط إنفاق سنوي لا يتجاوز 55 دولارًا لكل طفل (ما يعادل 172 دولارًا وفق تعادل القوة الشرائية)، يظل الإنفاق في هذه البلدان منخفضًا جدًا مقارنة حتى بالبلدان متوسطة الدخل الدنيا، التي تنفق في المتوسط 309 دولارات (871 دولارًا وفق تعادل القوة الشرائية) لكل طفل.

الإنفاق لكل طالب في البلدان منخفضة الدخل ما يزال غير كافٍ لضمان التعلم

على الرغم من هذه القيود المالية، تبذل العديد من البلدان منخفضة الدخل جهودًا كبيرة لدعم التعليم. إذ يأتي نحو 87.6% من إجمالي الإنفاق التعليمي فيها من الحكومات والأسر. ويوصي إطار عمل التعليم 2030 بأن تخصص الدول ما بين 4% و6% من الناتج المحلي الإجمالي، و15% إلى 20% من الإنفاق العام للتعليم. ومن بين 23 دولة منخفضة الدخل تتوفر عنها بيانات، تلتزم 9 دول بحد 4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تخصص 12 دولة على الأقل 15% من إنفاقها العام للتعليم.

ورغم أن هذه الاستثمارات أسهمت في توسيع الالتحاق بالتعليم الابتدائي خلال العقدين الماضيين، إلا أن عددًا كبيرًا جدًا من الطلاب لا يزال غير قادر على قراءة وفهم نص بسيط بحلول سن العاشرة. وغالبًا ما تبدأ النقاشات السياساتية في هذه الدول بسؤال: كيف نقلل الإنفاق؟ عبر فترتين دراسيتين، أو زيادة عدد الطلاب في الصفوف، أو تقليل غياب المعلمين. صحيح أن هذه الإجراءات قد تخفف التكاليف، لكن السؤال الأهم غالبًا ما يُتجاهل: هل تستطيع الأنظمة توفير الأساسيات اللازمة لحدوث التعلم، مثل المعلمين الفعّالين، والمواد الكافية، والبنية التحتية الملائمة؟ في كثير من هذه البلدان، الإجابة ما تزال لا.

ومع نمو السكان وارتفاع مستويات الديون، تواجه البلدان منخفضة الدخل تحديًا متزايدًا لزيادة الإنفاق. وفي الوقت نفسه، يتراجع تمويل المساعدات الإنمائية الرسمية للتعليم في السنوات الأخيرة، مع تخفيضات إضافية من جهات مانحة رئيسية أو متوقعة مستقبلًا، ما يؤدي إلى تراجع إجمالي تمويل التعليم. ومع ذلك، لا يزال هناك مجال لتعبئة مصادر تمويل جديدة وتحسين نتائج التعلم.

الإنفاق لكل طالب يرتبط بنتائج التعلم… لكن إلى حد معين

يتطلب التعلم استثمارًا ماليًا. وتشير البيانات إلى أن الدول التي تنفق أقل من 2220 دولارًا لكل طالب في المرحلة الابتدائية أكثر عرضة لمعدلات فقر تعلم تتجاوز 50%، وهو ما يعني أن أكثر من نصف الأطفال لا يستطيعون قراءة وفهم نص بسيط في سن العاشرة. ومع ارتفاع الأهداف التعليمية، يرتفع أيضًا مستوى الإنفاق المطلوب لكل طالب. فالدول التي تنفق ما لا يقل عن 4490 دولارًا لكل طالب لديها فرصة أفضل لخفض فقر التعلم إلى أقل من 30% باستخدام الأساليب التقليدية. وهذا المبلغ يعادل تقريبًا 30 ضعف متوسط ما تنفقه البلدان منخفضة الدخل لكل طالب في المرحلة الابتدائية. فجميع هذه الدول تنفق أقل من 337 دولارًا لكل طالب. على سبيل المثال، تنفق فيتنام 1391 دولارًا لكل طالب (بأسعار تعادل القوة الشرائية 2022)، بينما يبلغ متوسط الإنفاق في البلدان منخفضة الدخل 172 دولارًا فقط، ما يعني أن فيتنام تنفق أكثر بنسبة 709% لكل طالب.

حتى الحلول الأكثر كفاءة ما تزال مكلفة وصعبة التطبيق في البلدان منخفضة الدخل

هذه القيود المالية الشديدة تعني أن على هذه الدول تحقيق أقصى استفادة من كل دولار يُنفق. ويمكن لتوجيه الإنفاق نحو البرامج الأكثر كفاءة أن يحقق نتائج تعليمية أفضل. وفي الوقت نفسه، ينبغي على الحكومات تحسين الحوكمة وكفاءة استخدام الموارد الحالية.

هناك تدخلات مثبتة لتحسين التعلم بفعالية. من أبرز “أفضل الاستثمارات” منخفضة التكلفة: التعليم وفق مستوى الطالب بدلًا من الصف الدراسي (التدريس وفق المستوى المناسب)، وتحسين أساليب التدريس عبر خطط دروس منظمة، ومواد تعليمية مترابطة، وتدريب المعلمين، وأنظمة متابعة.

لكن حتى هذه التدخلات الفعالة قد تكون مكلفة نسبيًا للدول منخفضة الدخل. فعلى سبيل المثال، كلف برنامج “Tusome” في كينيا للتعليم المنظم في الصفوف الأولى نحو 8 دولارات لكل طالب سنويًا. وفي مدغشقر، بلغت تكلفة برامج “التدريس وفق المستوى المناسب” حوالي 10 دولارات لكل طالب. بينما وصلت تكلفة تجربة مماثلة في غينيا إلى نحو 87 دولارًا لكل طالب.

ويعرض الجدول أدناه تقديرات غير معدلة لتكاليف عدد من هذه التدخلات، ورغم عدم إمكانية مقارنتها مباشرة، فإنها توضح مدى التفاوت في تكاليف التنفيذ. وتشير تقديرات حديثة إلى أن التكلفة الإضافية السنوية لتحسين مهارات القراءة الأساسية قد تبلغ نحو 5 دولارات لكل طالب إذا نُفذت البرامج بكفاءة مثالية. ومع ذلك، في سياق إنفاق لا يتجاوز 55 دولارًا لكل طفل، تمثل هذه التكلفة زيادة تقارب 10% من الميزانية، وهو أمر يصعب تأمينه في كثير من الحالات.

وقد تكون هذه التدخلات أكثر فاعلية في دول مثل الهند أو كينيا، حيث يرتفع الإنفاق لكل طالب وتتوفر قدرات تنفيذية أفضل. أما في البلدان منخفضة الدخل، فغالبًا ما تعتمد هذه البرامج على التمويل الخارجي والمنظمات غير الحكومية، مما يجعلها فعالة على المدى القصير، لكنها غير مستدامة عند توقف الدعم الخارجي. وهذا يبرز تحديًا أساسيًا: رغم أهمية تحسين الكفاءة، لا توجد أدلة كافية على إمكانية تحقيق نتائج تعليمية قوية على مستوى وطني في ظل مستويات التمويل الحالية.

رؤية مستقبلية لتمويل التعلم في البلدان منخفضة الدخل

إن زيادة التعلم والإنفاق على التعليم في هذه البلدان أمر صعب، لكنه ليس مستحيلًا. ويُعد تعزيز التمويل العام المحلي، خصوصًا من خلال زيادة الإيرادات الحكومية، الخيار الأكثر وعدًا.

تمثل مساهمات الحكومات والأسر حاليًا نحو 88% من تمويل التعليم في البلدان منخفضة الدخل، و98% في البلدان متوسطة الدخل الدنيا. ومع ذلك، لا تزال معظم البلدان منخفضة الدخل تجمع ضرائب تقل عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أقل بكثير من نسبة 15% التي يوصي بها صندوق النقد الدولي، ما يؤدي غالبًا إلى ضعف جودة الخدمات العامة. وفي ظل النمو الكبير للسكان الشباب في أفريقيا، يصبح الاستثمار في التعليم أمرًا حاسمًا لبناء قوة عمل ماهرة. ورغم أن الإصلاحات الضريبية أو زيادة مساهمات القطاع الخاص قد تواجه مقاومة سياسية، إلا أنه يمكن توضيح أن تحسين جودة الخدمات يتطلب مساهمة عادلة من الجميع.

يمكن تعبئة التمويل العام والخاص والخارجي عبر عدة مسارات، من بينها:

تعزيز التمويل المحلي:

  • توسيع الضرائب المباشرة مثل الضرائب المحلية، وضرائب العقارات، ورسوم تنمية المهارات لزيادة إيرادات التعليم.
  • زيادة حصة الإنفاق العام الموجه للتعليم في بعض الحالات.
  • اتباع سياسات ديون رشيدة لضمان توفر مساحة مالية للاستثمار في التعليم.

الاستفادة من التمويل الخاص:

  • تشجيع القروض الطلابية ومساهمات الأسر في التعليم ما بعد الثانوي، بالاستفادة من العوائد الفردية المرتفعة.
  • استخدام تحويلات المغتربين عبر أدوات مثل السندات أو برامج المطابقة لتعزيز الاستثمار في تعليم الأطفال. وقد أظهرت تجربة السلفادور أن الحوافز يمكن أن تدفع الأفراد لتوجيه جزء أكبر من تحويلاتهم نحو التعليم.

تحسين أثر التمويل الخارجي:

  • توجيه المساعدات الإنمائية والتمويل الخيري نحو الدول والبرامج الأكثر فاعلية في تحسين التعلم.
  • استخدام المساعدات لدعم تعبئة الموارد المحلية وتقليل الديون، مثل مبادرات مبادلة الديون من أجل التنمية.

كما تم استكشاف أدوات مبتكرة أخرى، مثل تخصيص ضرائب على خدمات الاتصالات أو التحويلات الدولية (كما في هايتي)، أو فرض ضرائب تعليمية عبر الرواتب (كما في جامايكا)، أو استخدام رسوم تدريب مهنية تفرض على أصحاب العمل لتمويل برامج التدريب (كما في كولومبيا والبرازيل). كما يمكن دراسة ضرائب الثروة أو مقترحات دولية لفرض ضرائب على الأثرياء لدعم التنمية، بما في ذلك التعليم.

المصدر

مقالات ذات صلة