ملخص: يوضح المقال على موقع المنتدى الاقتصادي العالمي بقلم مادلين نورث وبيكا بيرن أن أسعار النفط تتسم تاريخيًا بتقلبات حادة تعكس تأثير الأحداث الجيوسياسية والاقتصادية العالمية، حيث شهدت استقرارًا نسبيًا حتى مطلع الألفية قبل أن ترتفع بشكل كبير مدفوعة بزيادة الطلب من الاقتصادات الناشئة وتراجع الطاقة الإنتاجية والتوترات في الشرق الأوسط، ثم انهارت مع الأزمة المالية العالمية رغم تدخل «أوبك» لخفض الإنتاج. واستمرت هذه الدورات مع عوامل مثل العقوبات على إيران، واضطرابات الإنتاج، وثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة التي أدت إلى تخمة المعروض وانهيار الأسعار، قبل أن تعود للارتفاع ثم تنخفض مجددًا خلال جائحة كوفيد-19، لترتفع مرة أخرى بفعل الحرب الروسية الأوكرانية والتوترات الحالية. ويخلص المقال إلى أن النفط يظل مؤشرًا حساسًا للاقتصاد العالمي، يتأرجح بين الارتفاع والانخفاض بحسب الصراعات والركود، ومن المتوقع أن يستمر هذا التقلب مع التحولات التكنولوجية والجيوسياسية القادمة.
بقلم: مادلين نورث وبيكا بيرن
شهدت أسعار النفط موجات متلاحقة من الارتفاع والانخفاض منذ اندلاع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير، إلا أن تأثير الأحداث العالمية على أسواق الطاقة ليس أمرًا مستجدًا، بل سمة ملازمة لها عبر العقود.
يعرض هذا المخطط كيف تحركت أسعار النفط عند أبرز المحطات السياسية والاقتصادية في التاريخ الحديث. ففي أسبوع واحد فقط، أقدمت البحرية الأمريكية على إغلاق موانئ إيرانية، ما دفع الأسعار إلى الارتفاع مجددًا، في وقت حذّر فيه صندوق النقد الدولي من أن العالم يقف على أعتاب أزمة طاقة غير مسبوقة. في هذا السياق، نستعرض مسار سوق النفط خلال الأربعين عامًا الماضية، وكيف تشكّل تحت تأثير التحولات العالمية.
ويُظهر المخطط أن أسعار النفط خلال العقد الأول من الألفية كانت أكثر تقلبًا بكثير مقارنة بالعقدين اللذين سبقاه.
فمنذ منتصف الثمانينيات وحتى مطلع الألفية الجديدة، استقر متوسط سعر برميل النفط الخام عند نحو 20 دولارًا. لكن بحلول عام 2005، ومع تراجع الطاقة الإنتاجية الفائضة عالميًا إلى مستويات تاريخية متدنية، اقترب السعر من 60 دولارًا، ثم واصل ارتفاعه بشكل مطّرد إلى أن بلغ ذروته متجاوزًا 140 دولارًا للبرميل، وذلك قبيل اندلاع الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

فما الذي يفسر هذا التحول الكبير في الأسعار خلال تلك الفترة؟
تضافرت عدة عوامل، منها:
- التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط حيث تتركز نسبة كبيرة من احتياطيات النفط العالمية
- تزايد الطلب من الاقتصادات الناشئة مثل الصين والهند
- تراجع قيمة الدولار الأمريكي
عقب الأزمة المالية العالمية وما تبعها من ركود اقتصادي، تحركت منظمة البلدان المصدّرة للبترول «أوبك» لاحتواء تراجع الطلب، فخفضت الإنتاج بمقدار قياسي بلغ 4.2 مليون برميل يوميًا. ومع ذلك، هبطت الأسعار من 141 دولارًا في منتصف عام 2008 إلى 37 دولارًا في يناير 2009.
بلغ النفط الخام ذروة أخرى في عام 2012 نتيجة مزيج من العوامل، منها:
- العقوبات الأمريكية والأوروبية على إيران لإجبارها على التخلي عن برنامجها النووي
- اضطرابات الإنتاج في سوريا والسودان واليمن
- وصول إنتاج النفط في الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى له منذ عام 1998
واستمرت هذه الدورة من الصعود والهبوط. فقد شهدت الفترة بين عامي 2014 و2016 انهيارًا حادًا في الأسعار، كان سببه الرئيسي التوسع الكبير في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، ما أدى إلى تخمة في المعروض وأضعف قدرة «أوبك» على التأثير في السوق. ووفقًا للبنك الدولي، تراجعت الأسعار خلال تلك الفترة بنسبة 70%، من 114 دولارًا في يونيو 2014 إلى 27 دولارًا في يناير 2016، وهو أحد أكبر ثلاثة انخفاضات منذ الحرب العالمية الثانية، والأطول منذ الانهيار المرتبط بزيادة المعروض في عام 1986.
بعد ذلك، عادت الأسعار إلى الارتفاع تدريجيًا لتصل إلى 73 دولارًا للبرميل في عام 2019، قبل أن تتهاوى مجددًا بفعل جائحة كوفيد 19، لتسجل نحو 17 دولارًا في عام 2020. ثم جاءت الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022 لتدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة بلغت 127 دولارًا، وهي مستويات قريبة من الذروة الحالية التي تدور حول 123 دولارًا نتيجة استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران.
وتشير هذه المعطيات مجتمعة إلى أن أسعار النفط تعمل كمؤشر حساس لحالة الاقتصاد العالمي؛ إذ تؤدي الصراعات والتوترات الجيوسياسية إلى رفع الأسعار، بينما تسهم فترات الركود والأزمات المالية في دفعها إلى الانخفاض.
ومع تشكّل ملامح اقتصاد عالمي جديد تقوده تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد التنافس الجيوسياسي، وتسارع التحول في قطاع الطاقة، يبدو أن مسار أسعار النفط سيظل عرضة لمزيد من التقلبات، بين قمم جديدة وانخفاضات حادة.
