القائمة الرئيسية

ثلاث عوائق غير مرئية تحدّ من حركة التنقل داخل المدن وكيف يمكن التغلب عليها

ثلاث عوائق غير مرئية تحدّ من حركة التنقل داخل المدن وكيف يمكن التغلب عليها
ملخص المقال

يبين المقال على موقع البنك الدولي

بقلم أولوتشي مبونو، كارولين بيلنيك، كلوديا ريفاس وهاريس سيلود أن تطوير المدن لا يعتمد فقط على البنية التحتية للنقل، بل يتأثر أيضًا بعوائق غير مرئية مثل نقص المعلومات، والقيود المالية، والعوامل النفسية التي تحد من حركة العمال ورواد الأعمال داخل المدن. وتُظهر دراسات في كمبالا ونيروبي أن كثيرًا من أصحاب المشاريع لا يدركون الفروقات الكبيرة في الأرباح بين أحياء المدينة، وأن تزويدهم بالمعلومات وحده لا يكفي، لكنه يصبح فعالًا عند دمجه مع دعم مالي يسهّل الانتقال إلى مناطق أكثر ربحية. كما تكشف الأبحاث أن القيود المالية، رغم محدودية تكاليف الانتقال نسبيًا، تمنع كثيرين من الاستفادة من فرص أفضل بسبب عدم اليقين. بالإضافة إلى ذلك، تلعب “المألوفية” دورًا نفسيًا مهمًا، إذ يفضّل العمال المناطق التي يعرفونها، لكن التعرض لمناطق جديدة يمكن أن يغيّر هذه التصورات بشكل ملحوظ. ويخلص المقال إلى أن السياسات الحضرية الفعالة يجب أن تعالج هذه العوائق غير المرئية إلى جانب الاستثمار في البنية التحتية، لأن تدخلات بسيطة وموجهة يمكن أن توسّع فرص العمل وتحسّن الاندماج الاقتصادي داخل المدن.

بقلم: أولوتشي مبونو، كارولين بيلنيك، كلوديا ريفاس وهاريس سيلود

تُعد البنية التحتية للنقل العمود الفقري لتطوير المدن، خصوصًا لأنها تربط بين العمال والوظائف، وتمكّن المدن من توليد الثروة. لكن البنية المادية ليست سوى جزء من المعادلة. إذ تُظهر أبحاث حديثة أن هناك عوائق غير مادية، مثل فجوات المعلومات، والقيود المالية، والعوائق النفسية، يمكن أن تمنع العمال ورواد الأعمال من الوصول إلى الفرص التي توفرها المدن.

وغالبًا ما تمر هذه القيود دون ملاحظة، لكنها تؤثر بهدوء على طريقة تنقل الناس داخل المدن، وعلى قراراتهم المتعلقة بمكان العمل أو إدارة المشاريع. وقد أظهرت دراستان حديثتان في كل من كمبالا في أوغندا ونيروبي في كينيا كيف يمكن لتدخلات موجهة أن تساعد في إطلاق إمكانات التنقل الحضري.

فجوات المعلومات: عدم معرفة الوجهة المناسبة

غالبًا ما يفتقر أصحاب المشاريع الصغيرة في المدن الكبرى مثل كمبالا، التي يبلغ عدد سكانها نحو مليوني نسمة، إلى معلومات موثوقة حول الأحياء التي تشهد حركة مشاة أعلى، أو طلبًا أكبر، أو ظروفًا تجارية أفضل. وحتى عندما تكون المناطق الأكثر ربحية على بعد بضعة كيلومترات فقط، فإنها قد تظل غير مرئية فعليًا لمن يمكن أن يستفيدوا منها أكثر.

وقد كانت هذه الفجوة في المعلومات أحد الدوافع وراء دراسة شملت نحو 3000 من أصحاب المشاريع المتنقلة، بما في ذلك الباعة الجائلون وسائقو الدراجات النارية الأجرة، وتبين أن معظمهم لا يدركون حجم الفروقات الكبيرة في الأرباح بين مناطق المدينة المختلفة. وقد يكون الفاقد من الدخل كبيرًا، إذ قد يحقق صاحب مشروع في منطقة معينة ثلاثة أضعاف ما يحققه نظيره في منطقة أخرى.

ولفهم سبب استمرار هذه الفجوة في الأرباح، قدّمت الدراسة معلومات موجهة حول المواقع الأكثر ربحية، إلى جانب دعم مالي، لمجموعة من رواد الأعمال. وقد تبين أن من حصلوا على كلا التدخلين كانوا أكثر ميلًا بكثير للانتقال إلى مناطق ذات أرباح أعلى، وحققوا مكاسب ملموسة. في المقابل، فإن من تلقوا إما المعلومات فقط أو الدعم المالي فقط كانوا أقل ميلًا للانتقال، ولم يحققوا تحسنًا يُذكر في الدخل.

وهذا يشير إلى أن المعلومات وحدها لا تكفي لتحفيز التغيير، لكنها عنصر أساسي في المعادلة.

قيود السيولة: تكلفة الانتقال

معرفة الوجهة المناسبة ليست سوى جزء من التحدي. ففي الدراسة نفسها في كمبالا، أشار معظم رواد الأعمال إلى أن نقص السيولة النقدية هو العائق الرئيسي أمام نقل نشاطهم التجاري.

لكن عند مقارنة ذلك بمتوسط الأرباح اليومية الذي يبلغ نحو 6 دولارات، وبمتوسط المدخرات الذي يعادل 57 دولارًا لبائعي الشوارع و120 دولارًا لسائقي الدراجات النارية، يتضح أن تكلفة الانتقال الفعلية منخفضة نسبيًا، إذ تقل عن دولار واحد يوميًا. وهذا يشير إلى أن ذوي الدخل المنخفض قد يواجهون قيودًا بنيوية تمنعهم من القيام باستثمارات جديدة، مثل الانتقال إلى منطقة عمل مختلفة، خصوصًا عندما تكون المكاسب المتوقعة غير مستقرة أو غير مؤكدة.

وقد كان للدعم المالي المقدم في الدراسة أثر واضح، إذ إن رواد الأعمال الذين حصلوا على معلومات حول الأرباح بالإضافة إلى دعم مالي كانوا أكثر ميلًا للانتقال إلى مناطق ذات عوائد أعلى، وحققوا زيادة في الأرباح بلغت نحو 45 في المئة. إلا أن هذه المكاسب لم تستمر، إذ بدأت تتراجع خلال شهر واحد من انتهاء التدخل. ويشير هذا النمط إلى أن الدعم المالي المؤقت قد يحسن الحركة على المدى القصير، لكنه غير كافٍ لإحداث تغيير سلوكي دائم. وقد يتطلب الحفاظ على هذه المكاسب دعمًا ماليًا مستمرًا، أو دمجًا أقوى في الأحياء الجديدة، أو تعزيز القدرة على التعامل مع المخاطر المرتبطة بالعمل في بيئات غير مألوفة.

العوائق النفسية: الخوف من المجهول

إلى جانب عوائق المعلومات والمال، تلعب العوامل النفسية دورًا مهمًا في تقييد حركة العمال داخل المدن. فقد وثّقت أبحاث في علم النفس ودراسات المدن وعلم الأعصاب ميل الأفراد إلى التوجه نحو البيئات المألوفة، وبناء خرائط ذهنية للمدينة تعتمد على الأماكن التي زاروها سابقًا. ونتيجة لذلك، قد لا تُؤخذ الأحياء غير المألوفة بعين الاعتبار عند البحث عن فرص عمل، وحتى عند التفكير فيها، يميل العمال إلى تفضيل الأماكن التي يعرفونها بالفعل.

وقد تناولت دراسة حديثة شملت 800 عامل مؤقت في نيروبي هذا التحيز بشكل مباشر. وأظهرت النتائج أن العامل الوسيط في العينة لم يسبق له زيارة نصف الأحياء الواقعة ضمن نطاق 75 دقيقة من مكان سكنه. وعند عرض فرص عمل قصيرة الأجل في مناطق غير مألوفة، طلب العمال ما يُعرف بـ“علاوة المألوف”، أي زيادة في الأجر تعادل 22 في المئة مقابل قبول العمل في مكان غير مألوف، أو بعبارة أخرى، كانوا مستعدين لقبول خفض في الأجر بنسبة 22 في المئة إذا كان العمل في منطقة مألوفة.

كما درست الدراسة ما يحدث عندما يُشجَّع العمال على استكشاف مناطق خارج نطاقهم المعتاد. وبعد زيارة واحدة فقط لمنطقة غير مألوفة، أظهر الباحثون استعدادًا أكبر للعمل فيها، ما أدى فعليًا إلى اختفاء “علاوة المألوف”. كما تغيرت التصورات الأولية حول فرص العمل والسلامة بشكل ملحوظ، واستمرت هذه التغيرات لمدة تتراوح بين شهرين وأربعة أشهر بعد انتهاء التدخل.

وتشير هذه النتائج إلى أن مجرد التعرض لمناطق جديدة، حتى دون معلومات إضافية أو حوافز مالية، يمكن أن يعيد تشكيل طريقة إدراك العمال لسوق العمل الحضري والتنقل داخله بشكل ملموس. وقد تمثل السياسات التي تشجع على الاستكشاف، أو التي تجعل المدن أكثر وضوحًا وسهولة في الفهم من خلال تحسين الإرشادات والعلامات، أدوات منخفضة التكلفة لكنها فعالة لتوسيع فرص الاندماج في سوق العمل.

الخلاصة

تُظهر هاتان الدراستان أن العوائق غير المرئية، مثل فجوات المعلومات، والقيود المالية، والعوامل النفسية، يمكن أن تكون لها آثار ملموسة تحد من قدرة العمال ورواد الأعمال على الوصول إلى الفرص الاقتصادية داخل المدن.

ومن خلال معالجة هذه العوائق، يمكن لصانعي السياسات تصميم استراتيجيات حضرية أكثر شمولًا. فالتدخلات الصغيرة والموجهة، مثل توفير بيانات محلية دقيقة، أو تقديم دعم مالي محدود، أو تشجيع الاستكشاف، يمكن أن تكمل الاستثمارات في البنية التحتية، وتساعد المدن على تحقيق وعود التحضر والتنمية بشكل أفضل.

المصدر

مقالات ذات صلة