بقلم: نينا فان دايك وروزماري ف. كالدير
عندما يفكر معظم الناس في “الأكل الصحي”، فإنهم يركزون عادة على نوعية الطعام نفسه. قد يعني ذلك محاولة تناول المزيد من الفواكه والخضروات، أو تقليل الوجبات السريعة، أو حساب السعرات الحرارية.
لكن الأكل الصحي يتجاوز بكثير مجرد ما نتناوله من طعام، إذ إن السلوكيات والمواقف المرتبطة بالطعام تلعب دورًا مهمًا أيضًا.
خذ مثلًا حالة تُعرف باسم “الوسواس القهري تجاه الأكل الصحي” (Orthorexia nervosa)، وهي انشغال مفرط بتناول الأطعمة التي يُنظر إليها على أنها صحية فقط. فإذا كان تعريف الأكل الصحي يقتصر على تناول أطعمة صحية، فقد يبدو الأشخاص المصابون بهذا الاضطراب في قمة “الصحة”.
لكن الواقع أن من يعانون من هذا الاضطراب غالبًا ما يواجهون صعوبات في علاقاتهم الاجتماعية، ويعانون من تدني جودة الحياة، إلى جانب مشكلات أخرى.
تشير الأبحاث إلى أن تحويل التركيز من الطعام نفسه إلى تجربة الأكل يمكن أن يحقق فوائد صحية متعددة. دعونا نتناول ذلك بمزيد من التفصيل.
لماذا نحن مهووسون بالحمية الغذائية؟
ربط مفهوم “الأكل الصحي” بـ“الحمية الصحية” بدأ يترسخ منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، مع تصاعد القلق من ما سُمي بـ“وباء السمنة” في الدول الغربية، والذي يُعرَّف بالزيادة السريعة في نسبة الأشخاص الذين يتجاوز مؤشر كتلة أجسامهم 30.
لكن أسباب السمنة معقدة وغير مفهومة بشكل كامل، وهناك تفسيرات عديدة تتجاوز مجرد نوع الطعام الذي يتناوله الفرد. كما أن توجيه اللوم للأشخاص ذوي الوزن الزائد ودعوتهم إلى تناول “طعام صحي” لم ينجح في خفض معدلات السمنة على مستوى السكان.
بل توجد أدلة تشير إلى أن هذا التركيز المفرط على الوزن ساهم في زيادة معدلات اضطرابات الأكل والسلوكيات الغذائية غير الصحية، والتي تشمل مواقف مشوهة تجاه الطعام والوزن والشكل والمظهر.
ومن الواضح أن هناك حاجة إلى تغيير الطريقة التي نفكر بها في الأكل الصحي.
الاستماع إلى إشارات الجسم
تُظهر مجموعة متزايدة من الأبحاث حول ما يُعرف بـ“الأكل الحدسي” أن لهذا النهج فوائد صحية متعددة.
الأكل الحدسي يعني الاعتماد على إشارات الجسم الداخلية التي تخبرنا متى نأكل وماذا نأكل وكم نأكل. مثلًا، الشعور بجوع المعدة كإشارة إلى الحاجة للطعام، أو ملاحظة الإحساس بالشبع، أو الرغبة في بعض الأطعمة لأن الجسم يحتاج إلى عناصر غذائية معينة، مثل البروتين بعد ممارسة الرياضة.
وقد أظهرت الدراسات أن هذا الأسلوب يرتبط بتحسن الصحة الجسدية والنفسية، وتحسن جودة النظام الغذائي، كما يرتبط بانخفاض مؤشر كتلة الجسم.
وتشير الأبحاث أيضًا إلى أن تناول الطعام في أوقات منتظمة، وتناول الوجبات مع الآخرين، يسهمان في تحسين الصحة العامة وجودة الغذاء.
لكن إذا كان الأمر صعبًا عليك، فأنت لست وحدك
معظمنا يعيش في بيئات غذائية تجعل من الصعب اتباع عادات أكل صحية.
فالبيئات الغذائية غير الصحية تشجع على الإفراط في الأكل، وتدفعنا إلى تجاهل إشارات الجوع والشبع الطبيعية.
وعندما نكون محاطين بوجبات خفيفة رخيصة وغنية بالسكر، وبأطعمة سريعة، وبكميات كبيرة من الطعام، إضافة إلى كثافة الإعلانات، يصبح من الصعب بناء علاقة صحية مع الطعام.
وتزداد هذه المشكلة حدة في المجتمعات الأقل حظًا من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
فعلى سبيل المثال، في أبحاث أُجريت مع سكان المناطق الريفية في أستراليا، عبّر معظم المشاركين عن رغبتهم في تناول طعام صحي أكثر، لكنهم وجدوا ذلك صعبًا لأسباب متعددة، من بينها ضيق الوقت وارتفاع تكلفة الطعام الصحي.
كما أن العادات الغذائية المرتبطة بالمشاعر يمكن أن تجعل الأكل الصحي أكثر تعقيدًا.
ما الذي ينجح إذًا؟
بالنسبة لمعظم الناس، يعني الأكل الصحي تبني سلوكيات ومواقف متوازنة ومرنة وغير حكمية تجاه الطعام، دون الخوف من أطعمة “سيئة”. كما يعني الانتباه لإشارات الجوع والشبع.
ويعني أيضًا إدراك أن الطعام ليس مجرد وقود للجسم، بل هو جزء من الروابط الاجتماعية والثقافية. فالعلاقة الصحية مع الطعام لا تتجاهل المعلومات الغذائية، بل تدمجها ضمن فهم أوسع وأكثر متعة لتجربة الأكل.
وفيما يلي ثلاث خطوات يمكن أن تساعد في البدء:
- التعرف على إشارات الجوع والشبع
تختلف هذه الإشارات من شخص لآخر. هل تلاحظ أن معدتك تبدأ في إصدار أصوات الجوع أو أن طاقتك تنخفض؟ هل مر وقت طويل منذ آخر وجبة؟ وأثناء الأكل، هل تصل إلى مرحلة يختفي فيها الشعور بالجوع ولا ترغب في الاستمرار؟ يجد بعض الأشخاص أن استخدام مقياس للجوع والشبع يساعدهم في ذلك. - إعادة النظر في مفهوم “الأطعمة السيئة”
هل هناك طعام تحبه لكنك تتجنبه لأنه يُعتبر “سيئًا” أو “ممنوعًا”؟ حاول إدخال كمية صغيرة منه في وجبتك القادمة. قد تكتشف أن ذلك يزيد من متعة الأكل ويقلل من سلطة المنع الصارم عليه. - تناول الطعام مع الآخرين
إذا كنت معتادًا على الأكل وحدك أو تناول الطعام بسرعة أثناء التنقل، فحاول تخصيص وقت أكبر للوجبات، وإشراك الآخرين فيها، سواء من خلال وجبات عائلية أو غداء مع زملاء العمل.
لكن بعض الأشخاص يحتاجون إلى أنظمة غذائية خاصة
الأشخاص الذين يعانون من حالات طبية تتطلب نظامًا غذائيًا معينًا، مثل مرضى السكري أو مرضى السيلياك، يجب عليهم الالتزام بالتوصيات الطبية. ومع ذلك، يمكنهم أيضًا تبني سلوكيات ومواقف صحية تجاه الطعام ضمن هذه القيود.
فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسة عام 2020 على مرضى السكري من النوع الثاني أن الأشخاص الذين يتبعون الأكل الحدسي بشكل أكبر كانوا أكثر قدرة على التحكم في مستويات السكر في الدم.
الخلاصة
إذا لم تكن لديك حالة طبية تمنع ذلك، فلا بأس في تناول قطعة من كعكة عيد الميلاد، ثم الاستماع إلى جسدك عندما يخبرك أنك اكتفيت.
وإذا شعرت أن علاقتك بالطعام غير صحية وتؤثر على حياتك، فمن الأفضل التواصل مع طبيبك العام لمناقشة الخيارات المتاحة، كما يمكن طلب الدعم من جهات متخصصة في هذا المجال.
