بقلم: كلير تانر ومور فيريد وسام كادمان
أدى الانفجار في أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إثارة مزيج من الآمال والمخاوف بشأن ما قد تحمله هذه التكنولوجيا من فوائد وأضرار. ففي الاقتصادات المتقدمة، يبدو أن الناس منقسمون تقريبًا بالتساوي بين التفاؤل والقلق تجاهها.
وليس هذا بالأمر المستغرب. فالذكاء الاصطناعي يستهلك كميات هائلة من الموارد الطبيعية، لكنه في الوقت نفسه يُطرح كأداة لإنقاذ الكوكب. ويمكنه أن يعزز الكفاءة والإنتاجية البشرية، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى فقدان ملايين الوظائف.
وبالنسبة لكثير من العاملين في الوظائف المكتبية، لم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي خيارًا، بل أصبح ضرورة مفروضة. الرسالة واضحة: إما أن تنخرط فيه، أو تتخلف عن الركب.
وسط هذا المشهد الذي يتسم بالغموض والتبني السريع للتكنولوجيا، بدأ بعض المواطنين القلقين بمحاولات لمقاومة الذكاء الاصطناعي. ومن بين هذه الأساليب ما يُعرف بـ“تسميم البيانات”، وهو نهج يهدف إلى إضعاف أداء نماذج اللغة الكبيرة عبر تخريب البيانات التي تتعلم منها. لكن إلى أي مدى يمكن للأفراد العاديين استخدام هذا الأسلوب؟ وما الذي ينطوي عليه من مخاطر؟
ما المقصود بمقاومة الذكاء الاصطناعي؟
تتخذ مقاومة الذكاء الاصطناعي أشكالًا متعددة، بدءًا من المقاطعة والعقوبات الاجتماعية، مرورًا بالإضرابات والاحتجاجات والضغط الشعبي، وصولًا إلى اللجوء للقضاء. وتنبع هذه التحركات من مخاوف تتعلق بالوظائف، والأخلاقيات، والسلامة، والديمقراطية، والسيادة، والبيئة.
كما يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تهديدًا وجوديًا للصناعات الإبداعية، مثل الموسيقى والأدب والسينما. ففي المملكة المتحدة، وُصف الذكاء الاصطناعي التوليدي بأنه “سرقة على نطاق صناعي”، تهدد قطاعًا إبداعيًا تُقدّر قيمته بمئات المليارات وتؤثر على ملايين الوظائف.
لطالما استخدم الناس العصيان المدني كوسيلة لمواجهة الظلم الاجتماعي. ومن الأمثلة الشهيرة رفض روزا باركس الجلوس في مؤخرة الحافلة في ولاية ألاباما، وهو ما أشعل مقاطعة استمرت أكثر من عام، وانتهت بإلغاء الفصل العنصري في وسائل النقل العامة في الولايات المتحدة.
كما كان التخريب جزءًا من أدوات النضال الجماعي عبر التاريخ، خصوصًا في الحركات العمالية، حيث لجأ العمال إلى أساليب مختلفة لتعطيل الإنتاج أو خفض الكفاءة، مثل إفساد المعدات أو العبث بالمواد.
في هذا السياق، يمكن النظر إلى “تسميم البيانات” باعتباره امتدادًا رقميًا حديثًا لهذه الممارسات التاريخية.
كيف يعمل تسميم البيانات؟
يقوم تسميم البيانات على إدخال محتوى مضلل أو متحيز أو عديم المعنى عمدًا ضمن البيانات التي تتعلم منها نماذج الذكاء الاصطناعي، بهدف إضعاف جودة مخرجاتها. وتشير بعض التقديرات إلى أن عددًا محدودًا من الوثائق المسمومة قد يكون كافيًا لإفساد أداء نموذج كبير.
تتنوع طرق تنفيذ ذلك، فبعضها يتطلب مهارات تقنية متقدمة، بينما يمكن تنفيذ بعضها الآخر من قبل أي شخص لديه اتصال بالإنترنت، خاصة إذا كانت مساهماته النصية أو البصرية تُستخدم في تدريب النماذج.
وقد طوّر الباحثون أدوات متعددة لهذا الغرض، تسمح مثلًا للفنانين بتعديل صورهم بطريقة تجعلها غير صالحة للاستخدام في تدريب النماذج، أو لحماية الشيفرات البرمجية من الاستغلال، أو حتى لتعديل الصور الشخصية بحيث لا يمكن استغلالها.
لكن التأثير على الذكاء الاصطناعي لا يتطلب دائمًا أدوات متخصصة. فببساطة، يمكن أن يسهم نشر معلومات غير دقيقة على المواقع، أو كتابة محتوى ساخر في المنتديات، أو تغذية النماذج بمخرجاتها السابقة، أو تعديل بعض الصفحات المفتوحة، في إدخال تشويش على البيانات.
غالبًا ما يُقدَّم تسميم البيانات باعتباره نشاطًا خطيرًا يقوم به “مخترقون” أو جهات خبيثة. لكن ماذا لو استُخدم كوسيلة للدفاع عن حقوق الإنسان؟
هل تسميم البيانات قانوني؟ وهل هو أخلاقي؟
تركّز الأطر القانونية المتعلقة بتسميم البيانات في الغالب على الشركات المطورة للذكاء الاصطناعي، إذ تفرض عليها اتخاذ إجراءات لمنع هذه الممارسات واكتشافها.
أما بالنسبة للأفراد، فالوضع القانوني أقل وضوحًا. فقد يُعرّض هذا السلوك أصحابه لعقوبات بموجب قوانين الاحتيال أو إساءة استخدام الأنظمة الرقمية، كما قد يُعد انتهاكًا لشروط استخدام المنصات.
ومع ذلك، فإن عدم قانونية الفعل لا تحسم بالضرورة مسألة مشروعيته الأخلاقية. فقد أقرّ الفلاسفة منذ زمن بأن العصيان المدني قد يكون مبررًا في حالات يؤدي فيها تطبيق القانون إلى ظلم واضح.
إذا كانت شركات الذكاء الاصطناعي تعمل بغطاء قانوني لكنها تؤثر سلبًا على حقوق الأفراد، مثل الخصوصية وحقوق الملكية الفكرية، أو تقوّض بيئة العمل الآمنة، أو تمس جودة التعليم أو السلامة الاجتماعية، فقد يُنظر إلى تسميم البيانات كنوع من العصيان المدني المشروع أخلاقيًا.
ويرى الفيلسوف جون رولز أن العصيان المدني، رغم كونه فعلًا غير قانوني، يمكن أن يكون أحد عناصر استقرار النظام الدستوري.
ومن هذا المنطلق، إذا كان الهدف من تسميم البيانات هو الحد من البطالة الواسعة، أو حماية نزاهة الانتخابات، أو تقليل الأضرار الاجتماعية مثل العزلة أو تراجع الإبداع أو التدهور البيئي، فقد يتماشى ذلك مع مبادئ العدالة التي تقوم عليها المجتمعات الديمقراطية.
لكن هذه الاستراتيجية لا تخلو من إشكالات. فحتى إذا أدى تسميم البيانات إلى إضعاف النماذج وجعل مخرجاتها أقل دقة أو أكثر تضليلًا، فإن كثيرًا من المستخدمين لا يزالون يثقون بالذكاء الاصطناعي بشكل مفرط. وهذا يعني أن تسميم البيانات قد يؤدي إلى نتائج عكسية، من خلال زيادة الاعتماد على أنظمة أقل موثوقية.
في النهاية، لا يمكن اختزال تسميم البيانات في كونه جريمة إلكترونية غير أخلاقية. فهو ممارسة معقدة تحمل أبعادًا أخلاقية متشابكة، وقد تُستخدم كأداة لمواجهة ما يُنظر إليه على أنه ظلم اجتماعي. غير أن تطوير الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يخدم المصلحة العامة ويتماشى مع قيم المجتمع. وإذا كان بعض العاملين في هذا المجال يتساءلون عن طبيعة دورهم، فقد يُظهر التاريخ أن من يسعون إلى تعطيل هذه الأنظمة لم يكونوا دائمًا في الجانب الخطأ.
