بقلم: منال محمد
عادة ما ترتبط مقاومة المضادات الحيوية بالمستشفيات وبالإفراط في استخدام هذه الأدوية في الزراعة، وهما بالفعل مشكلتان حقيقيتان. لكن أبحاثًا جديدة تشير إلى عامل آخر محتمل لم يحظَ بالكثير من الانتباه، وهو الجفاف الناتج عن تغير المناخ.
فقد وجدت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Nature Microbiology أن جفاف التربة يمكن أن يسرّع العمليات الطبيعية التي تؤدي إلى نشوء مقاومة المضادات الحيوية وانتشارها. لا يعني ذلك أن الجفاف يخلق مباشرة سلالات بكتيرية خارقة داخل المستشفيات، لكنه يشير إلى أن تغير المناخ قد يزيد من تفاقم هذه المشكلة.
وهذا الأمر مهم بشكل خاص للمملكة المتحدة، حيث تتوقع هيئة الأرصاد الجوية أن تصبح فصول الصيف أكثر حرارة وجفافًا، مع فترات جفاف أطول إذا استمرت الانبعاثات عند مستويات مرتفعة. وفي الوقت نفسه، يعاني النظام الصحي من تزايد حالات العدوى المقاومة للمضادات الحيوية، وهي حالات يصعب علاجها وتؤدي إلى بقاء المرضى لفترات أطول في المستشفيات. وعندما تفشل المضادات الحيوية التقليدية، يضطر الأطباء أحيانًا إلى استخدام أدوية أقوى تُحتفظ بها كخيار أخير، لأن الإفراط في استخدامها قد يؤدي بدوره إلى فقدان فعاليتها. وتُعرف هذه الأدوية باسم “أدوية الخط الأخير”.
لكن ماذا يحدث فعليًا في التربة؟ التربة بيئة غنية بالبكتيريا، وكثير من هذه الكائنات الدقيقة ينتج مضادات حيوية بشكل طبيعي للقضاء على منافسيه. وفي المقابل، تمتلك بكتيريا أخرى جينات تمنحها القدرة على مقاومة هذه الهجمات.
سباق تسلح داخل التربة
في الظروف الطبيعية، تعيش البكتيريا في تربة رطبة ومستقرة نسبيًا. لكن عندما تجف التربة، ينحصر الماء في جيوب صغيرة ومعزولة، ما يؤدي إلى ازدحام البكتيريا، وندرة الموارد الغذائية، وتصاعد حدة التنافس بينها. في هذه الظروف القاسية، تنتج البكتيريا كميات أكبر من المضادات الحيوية لمهاجمة بعضها البعض، وفي المقابل تظهر جينات مقاومة أكثر لمساعدتها على البقاء. إنها أشبه بسباق تسلح تغذّيه ظروف الجفاف.
تكمن أهمية ذلك بالنسبة لصحة الإنسان في أن البكتيريا قادرة على تبادل الجينات فيما بينها عبر عملية تُعرف باسم “النقل الجيني الأفقي”، وهي عملية يمكن تشبيهها بتبادل شيفرات سرية في لعبة إلكترونية. وهذا يعني أن جينات المقاومة الموجودة في بكتيريا التربة يمكن أن تنتقل إلى بكتيريا تصيب البشر. وقد رُصدت بالفعل بعض جينات المقاومة الموجودة في التربة داخل بكتيريا ممرِضة للإنسان، ما يشير إلى وجود علاقة تطورية طويلة بينهما.
كما أظهرت دراسات واسعة النطاق أن المناطق الأكثر جفافًا في العالم تسجّل معدلات أعلى من العدوى المقاومة للمضادات الحيوية داخل المستشفيات، حتى بعد أخذ الفروق في مستوى الدخل وجودة الرعاية الصحية في الاعتبار. ومع ذلك، فإن هذه الدراسات تُظهر ارتباطًا إحصائيًا لا علاقة سببية مباشرة، إذ قد تكون هناك عوامل أخرى تفسّر هذا النمط، مثل طرق تتبع العدوى أو سهولة الوصول إلى الخدمات الصحية.
بعض بكتيريا التربة المرتبطة بهذه الظاهرة ترتبط وراثيًا بمسببات أمراض معروفة في المستشفيات، مثل كليبسيلا الرئوية والزائفة الزنجارية، وهما ضمن مجموعة تُعرف باسم “إسكايب”، المسؤولة عن عدد كبير من أصعب أنواع العدوى علاجًا في العالم. ومع ذلك، لا يعني هذا أن هذه البكتيريا مصدرها التربة، لكنه يكشف مدى الترابط بين البكتيريا البيئية وتلك المرتبطة بالحالات السريرية.
تتسبب مقاومة المضادات الحيوية بالفعل في ملايين حالات العدوى سنويًا حول العالم. وقد ركزت معظم الجهود لمواجهتها على الحد من الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية في الطب والزراعة، وهو أمر لا يزال بالغ الأهمية. غير أن هذه الأبحاث تشير إلى أن البيئة نفسها، وكيف يعيد تغير المناخ تشكيلها، تلعب دورًا لا يمكن تجاهله.
ومن هنا تبرز أهمية مفهوم “صحة واحدة”، الذي يقوم على أن صحة الإنسان والحيوان والبيئة مترابطة بشكل وثيق. ومن هذا المنظور، لا تعد مقاومة المضادات الحيوية مشكلة طبية فحسب، بل هي أيضًا قضية بيئية.
ومع تزايد موجات الجفاف في المملكة المتحدة وفي أنحاء العالم، يصبح من الضروري أن يولي العلماء اهتمامًا أكبر لما يحدث تحت أقدامنا، حيث تتشكل واحدة من أخطر التحديات الصحية في عصرنا.
