بقلم: كارولين ويليامز
لم أكن من النوع الذي يركب سيارة شخص غريب ويأمل أن تسير الأمور على ما يرام، خصوصًا بعد أن كشفت لي عملية بحث سريعة على الإنترنت أنه كان يتعافى من إدمان الميثامفيتامين. ومع ذلك، وبناءً على ثقتي بشخص أكد لي أنه “من الأشخاص الجيدين”، قبلت أن يقلّني إلى المطار، و… تمنيت أن تسير الأمور بخير.
لاحقًا، شعرت بالارتياح لأنني فعلت ذلك. فبعد أشهر من الحديث مع علماء حول “تغيّر الدماغ”، دفعتني هذه الرحلة إلى التفكير بعمق أكبر في معنى هذا التغير.
كنت في مدينة لورانس بولاية كانساس الأمريكية، أعمل على بحث لكتاب يحاول الاستفادة من أحدث العلوم لإحداث تغييرات حقيقية وقابلة للقياس ودائمة في الدماغ. كنت أريد أن أتعلم كيف أركز بشكل أفضل، وكيف أتغلب على مخاوفي غير المنطقية، وكيف أزيد من قدرتي على الإبداع.
بدأت رحلتي قبل ذلك بعد أن شعرت بالإحباط من نصائح كتب تطوير الذات في المكتبات. كانت تبدو كلها سهلة بشكل مبالغ فيه: “غيّر طريقة تفكيرك، وارسم خطًا جديدًا في حياتك، وانتهى الأمر”. لكنني كنت أشك في ذلك. فبعض أنماط التفكير والسلوك تبدو متجذرة بعمق في الدماغ، ولا يمكن ببساطة التخلص منها بمجرد قرار.
ومع ذلك، كان أمامي مثال حي لشخص يروّج لفكرة أن تغيير الدماغ ممكن. خلال حديثنا، روى لي قصته: طفولة مضطربة في الرعاية البديلة، مشاكل غضب، علاقات فاشلة، ثم انزلاق إلى الإدمان. بدا مستقبله مظلمًا. لكن في الأربعينيات من عمره قرر أن يغيّر حياته.
يقول إنه مرّ بمرحلة صعبة جدًا في حياته، كان فيها أسيرًا للإدمان وسلوكيات مدمّرة، وأنه حاول أكثر من مرة الخروج من تلك الدائرة دون نجاح. ومع مرور الوقت بدأ يدرك أن التغيير لا يمكن أن يحدث بمجرد قرار لحظي، بل يحتاج إلى إعادة تشكيل عميقة في طريقة التفكير والعادات اليومية. تدريجيًا، ومع استمرار المحاولة، تمكن من الإقلاع عن الإدمان لأكثر من عقد من الزمن، وأعاد بناء علاقاته مع عائلته، ووصل إلى حالة من الاستقرار النفسي لم يكن قد عرفها من قبل. كان يرى في تجربته دليلًا على أن الإنسان قادر على تغيير دماغه فعليًا، وليس فقط تغيير سلوكه الظاهري.
كانت قصته مؤثرة، لكنها دفعتني لإعادة التفكير في فكرة “قوة العقل”. فأنا لطالما شعرت بالحذر من هذه الفكرة، لأن خلف كل قصة نجاح ملهمة هناك كثير من الناس الذين يعانون من الاكتئاب أو الإدمان أو آثار الصدمات النفسية. فكرة أن “العقل قادر على شفاء كل شيء” قد تبدو وكأنها تلوم من لا يتحسنون، وكأنهم لم يحاولوا بما فيه الكفاية.
كما أن التجربة تخبرني أن فهم المشكلة لا يعني حلها. فأنت قد تدرك أن رد فعلك العاطفي غير منطقي، لكن ذلك لا يزيله. وعندما يشتد الاكتئاب، لا تكفي الأفكار الإيجابية وحدها لإيقافه.
ومع ذلك، هناك أدلة قوية على أن العقل يمتلك تأثيرًا كبيرًا. خذ مثلًا تأثير الدواء الوهمي. في التجارب الطبية، يمكن لحبة سكر أن تخفف الألم بقدر مسكن حقيقي. وفي بعض الحالات، يعمل الدواء الوهمي حتى عندما يُقال للمريض إنه بلا أي مادة فعالة. هذا يعني أن التحسن يحدث من خلال العقل نفسه.
وفي تجربة أخرى، طُلب من أشخاص تقييم توقعاتهم لفعالية تدريب ذهني لتحسين القدرات المعرفية. بعد التجربة، كانت النتائج الفعلية قريبة جدًا من توقعاتهم المسبقة، وكأنهم نجحوا أو فشلوا بناءً على ما كانوا يتوقعونه مسبقًا. فإذا لم يكن لديهم إيمان بأنهم سيتحسنون، لم يتحسنوا فعلًا.
وهناك أيضًا تأثير معاكس يُعرف باسم “تأثير النوسيبو”، حيث يؤدي الاعتقاد بأن شيئًا ما سيؤذيك إلى أعراض جسدية حقيقية. فقد يعاني أشخاص في تجارب دوائية من آثار جانبية رغم أنهم تلقوا علاجًا وهميًا. وفي بعض التجارب، تسبب اعتقاد المشاركين بأن الغاز الذي يستنشقونه قد يسبب مرضًا في ظهور أعراض مثل الغثيان والصداع. وهناك حتى حالات لأشخاص ماتوا بعد تشخيص خاطئ بأمراض قاتلة، رغم أنهم لم يكونوا مصابين بها أصلًا.
كل هذا يبدو وكأنه يدعم فكرة “فكّر بإيجابية وستتحسن حياتك”. لكن الواقع أكثر تعقيدًا. ففي إحدى الدراسات، طُلب من المشاركين تكرار عبارة “أنا شخص محبوب” مرات عديدة. لدى من يملكون ثقة عالية بالنفس، كان التأثير إيجابيًا بسيطًا. لكن لدى من يعانون من تدني تقدير الذات، كانت النتيجة عكسية تمامًا، إذ شعروا بسوء أكبر تجاه أنفسهم.
السبب يعود إلى ما يُعرف في علم النفس بـ “مجالات القبول”، أي أن الإنسان يميل إلى تصديق الأفكار القريبة من قناعاته، ويرفض ما يتعارض معها. لذلك، عندما تقول لشخص يشعر بالسوء إنه “مميز ومحبوب”، قد يرفض الفكرة ويشعر بسوء أكبر، لأنها تتعارض مع صورته عن نفسه.
وبالمثل، فإن تخيّل مستقبل مثالي من خلال التصور الذهني قد يكون غير مفيد، بل قد يأتي بنتائج عكسية. فعندما يتخيل الشخص النجاح دون أن يتخيل الجهد المطلوب، يبدو الهدف أسهل مما هو عليه في الواقع، فيقلّ دافعه للعمل. وعندما يفشل رغم هذا التصور، يشعر بالإحباط أكثر.
وتشير الدراسات إلى أن هذا التأثير يكون أقوى لدى الأشخاص الذين يميلون إلى الاجترار الذهني، أي التفكير السلبي المتكرر، وهو أحد سمات الاكتئاب. بمعنى آخر، الأشخاص الذين يعانون أكثر هم الأقل استفادة من “التفكير الإيجابي”.
إذن، ماذا يمكن أن يفعل من يعاني من صورة سلبية عن نفسه؟
أحد الخيارات هو استخدام الأفكار السلبية كدافع. فبدلًا من محاولة التفكير بإيجابية قسرًا، يمكن استغلال القلق والتشاؤم كوسيلة للتحفيز. هذا ما يُعرف بـ “التشاؤم الدفاعي”. وقد أظهرت أبحاث تعود إلى الثمانينيات أن الأشخاص الذين يتوقعون الأسوأ، ثم يُسمح لهم بالتفكير فيه مسبقًا، يؤدون بشكل أفضل عند المواجهة. أما إذا حاول أحدهم طمأنتهم، فقد يضعف أداؤهم. وتخيل الفشل في موقف مثل تقديم عرض أمام جمهور قد يدفع الشخص إلى التدريب بجدية أكبر.
هناك أيضًا طريقة أخرى أكثر توازنًا، وهي محاولة تغيير المعتقدات اللاواعية بحيث تتماشى الصورة الداخلية مع الرسائل الإيجابية الخارجية. لكن هذا صعب، لأن هذه المعتقدات غير واعية أصلًا.
في حالة الرجل الذي التقيته في كانساس، يبدو أن التغيير حدث تدريجيًا نتيجة صراع طويل مع الذات ومحاولات متكررة لإعادة بناء نمط حياته وفهمه لنفسه بشكل مختلف، حتى بدأ فعليًا يرى نفسه بطريقة جديدة تختلف عن صورته القديمة.
كما أن هناك اتجاهًا بحثيًا حديثًا يستكشف كيف تؤثر “التحيزات المعرفية” في إدراكنا للعالم. نحن نعتقد أننا نرى الواقع كما هو، لكن في الحقيقة أدمغتنا تفرز المعلومات بسرعة هائلة، وتمنح الأولوية إما للتهديدات أو للمكافآت. هذا التوازن بين نظام الخوف ونظام المكافأة يحدد نظرتنا للعالم: هل هو مكان خطير أم مليء بالفرص؟
هذه التحيزات تعمل خارج وعينا، وقد تكون مرتبطة بالاكتئاب والقلق، حيث يرى الدماغ الجوانب السلبية فقط ويتجاهل الإيجابيات. وكأن الشخص لا يرى إلا الجانب المظلم من الحياة.
يمكن قياس هذا التحيز بسهولة، وهناك برامج تدريبية بسيطة تهدف إلى تغييره، مثل تدريب الدماغ على التركيز على الوجوه المبتسمة بدلًا من الوجوه المحايدة أو السلبية. ومع الوقت، قد يصبح هذا نمطًا تلقائيًا في التفكير.
بعد عام من التجربة على دماغي ومحاولة تحدي افتراضاتي غير الواعية، أدركت أن العقل أقوى مما نتصور. لكنه في الوقت نفسه أكثر تعقيدًا مما توحي به كتب “الحلول السريعة”.
وكما قال لي أحد علماء الأعصاب: نحن كائنات معقدة للغاية، سواء أحببنا ذلك أم لا. وربما هذا التعقيد هو ما يجعلنا أكثر إثارة للاهتمام.
