القائمة الرئيسية

هل يمكن للغة أن تشكّل إدراكنا؟

هل يمكن للغة أن تشكّل إدراكنا؟
ملخص المقال

يقدم المقال في موقع undark

بقلم جيوتي مادوسودان أن العلاقة بين اللغة والإدراك، المعروفة بـ“النسبية اللغوية”، لم تعد فكرة مرفوضة بالكامل كما كان يُعتقد سابقًا، بل عادت لتثير اهتمام الباحثين في ضوء أدلة علمية جديدة. ويعرض أمثلة مثل اختلاف تسميات اللون الأزرق في اليونانية مقارنة بالإنجليزية، وما أظهرته الدراسات من أن متحدثي اللغتين قد يميزون بين الدرجات اللونية بشكل مختلف. وتشير الأبحاث الحديثة، بما في ذلك دراسات على أدمغة الرضع وتقنيات قياس نشاط الدماغ، إلى أن الإدراك البصري الأساسي موجود قبل اللغة، لكنه يتأثر لاحقًا بها ويصبح أكثر دقة معها. كما تُظهر التجارب أن اللغة قد تؤثر حتى في المعالجة العصبية المبكرة للمحفزات، رغم أن هذه التأثيرات غالبًا ما تكون جزئية وغير واعية ولا تنعكس دائمًا على السلوك بشكل مباشر. وفي النهاية، يرى الباحثون أن اللغة لا تعيد تشكيل إدراكنا بالكامل، لكنها تترك أثرًا تدريجيًا ومحدودًا في طريقة فهمنا للعالم.

بقلم: جيوتي مادوسودان

ظلّت فكرة أن اللغة تشكّل عقولنا موضع جدل طويل، وقد تراجعت شعبيتها لسنوات، لكنها اليوم تعود إلى الواجهة بفضل أدوات علمية جديدة تدفع الباحثين لإعادة النظر فيها.

تخيّل بحرًا يونانيًا مشمسًا أو ألوان أسطح سانتوريني العميقة. في اللغة الإنجليزية يُطلق على الاثنين اسم واحد هو “الأزرق”. أما في اليونانية، فيُسمّى الأزرق الفاتح “غالازيو” والغامق “بليه”. وعندما عرض الباحثون على متحدثين أصليين بكلتا اللغتين مربعات بدرجات مختلفة من الأزرق، وجدوا أن اليونانيين يرون الفرق بين اللونين أوضح بكثير. فهل يمكن أن تكون اللغة قد أثّرت فعلًا في طريقة إدراكهم؟

تعود فكرة أن اللغة تؤثر في الإدراك والتفكير، والتي تُعرف علميًا باسم “النسبية اللغوية”، إلى ثلاثينيات القرن الماضي. وهي تفترض أن اللغة لا تكتفي بالتعبير عن الأفكار، بل تسهم في تشكيلها، وتحدد الطريقة التي نفهم بها العالم. وقد لاقت هذه الفكرة اهتمامًا كبيرًا في البداية، لكنها فقدت بريقها بحلول ستينيات القرن العشرين بسبب ضعف الأدلة العلمية الداعمة لها.

مع ذلك، لم تختفِ الفكرة تمامًا. فاليوم، يميل كثير من الباحثين إلى الاعتقاد بأن اللغة تؤثر بالفعل في بعض جوانب النشاط الذهني، لكن طبيعة هذا التأثير ومداه لا يزالان غير واضحين. فالأدلة لا تتكرر دائمًا بشكل موثوق، مما يجعل الوصول إلى نتيجة حاسمة أمرًا صعبًا.

في السنوات الأخيرة، بدأ علماء الإدراك استخدام تقنيات حديثة تتيح مراقبة نشاط الدماغ مباشرة، مثل تتبع تدفق الدم والإشارات الكهربائية استجابةً للمثيرات الحسية. كما اتجهت بعض الدراسات إلى فحص أدمغة الرضع، لفهم كيف يعالج الدماغ المعلومات الحسية قبل تعلّم اللغة. وتشير هذه الأبحاث مجتمعة إلى نتيجة لافتة: اللغة تؤثر فعلًا في إدراكنا للعالم، لكنها ليست العامل الوحيد.

في عام 2016، أجرى باحثون في اليابان دراسة لمعرفة ما إذا كان الرضع قادرين على تصنيف الألوان. استخدموا تقنية تقيس استجابة الدماغ للألوان المختلفة، ولاحظوا أن الانتقال من الأزرق إلى الأخضر أدى إلى زيادة تدفق الدم في مناطق معينة من الدماغ، ما يدل على أن الدماغ يميز بين اللونين، وذلك قبل أن يتعلم الأطفال كلمات مثل “أزرق” و“أخضر”. لكن عندما عُرضت درجتان مختلفتان من الأخضر، لم يحدث هذا التغير.

دفعت هذه النتائج الباحثين إلى التساؤل: كيف يحدد دماغ الرضيع الحدود بين الألوان؟ في تجربة أخرى، عُرضت على الأطفال سلسلة من الأشكال الملوّنة، وتم قياس مدة انتباههم لكل لون. الأطفال يميلون بطبيعتهم إلى النظر لفترة أطول إلى الأشياء الجديدة. فإذا اعتبروا اللون الثاني مختلفًا، جذب انتباههم، أما إذا رأوه مشابهًا، فقدوا الاهتمام سريعًا.

أظهرت النتائج أن الأطفال يصنّفون الألوان ضمن خمس فئات رئيسية: الأحمر، الأصفر، الأخضر، الأزرق، والبنفسجي. ويبدو أن هذه الفئات تنبع من بيولوجيا الرؤية نفسها. وتشير دراسات أخرى إلى أن الأطفال في مرحلة تعلم اللغة ما زالوا يدركون الألوان بطريقة قريبة من الرضع، أي وفقًا للتركيب البيولوجي لا اللغوي. لكن مع التقدم في العمر، تبدأ اللغة في لعب دور أكبر، إذ تساعدنا الكلمات على التمييز بين درجات لونية أدق.

بعبارة أخرى، لا تحدد البيولوجيا كل شيء، لكنها ترسم الخطوط الأساسية التي تأتي الثقافة واللغة لتبني عليها.

مع ذلك، يبقى فهم تأثير اللغة في إدراك البالغين مهمة معقدة. فمثلًا، قد يقال إن اختلاف إدراك اليونانيين والإنجليز للأزرق لا يعني أنهم يرونه بشكل مختلف، بل فقط يسمّونه بأسماء مختلفة. هذا تفسير منطقي يصعب دحضه.

لهذا حاول بعض الباحثين تجاوز هذه الإشكالية عبر دراسة نشاط الدماغ مباشرة بدلًا من الاعتماد على اللغة. في إحدى التجارب، وُضعت أقطاب كهربائية على رؤوس المشاركين لرصد الإشارات العصبية أثناء مشاهدتهم لأشكال تتغير ألوانها. لم يُطلب منهم تسمية الألوان، بل التركيز على شكل معين.

أظهرت النتائج أن أدمغة المتحدثين باليونانية استجابت بشكل مختلف لدرجتي الأزرق، حتى دون وعيهم بذلك، بينما لم يظهر هذا الفرق لدى المتحدثين بالإنجليزية. والأكثر إثارة أن هذا الاختلاف حدث خلال 200 جزء من الثانية، أي قبل أن يتمكن الدماغ من استدعاء الكلمات.

وعندما سُئل المشاركون عمّا رأوه، لم يتذكر معظمهم حتى اختلاف الألوان في بعض الحالات. ومع ذلك، كان الدماغ قد سجّل الفرق دون وعيهم. هذه النتيجة تشير إلى أن اللغة قد تؤثر في المعالجة البصرية نفسها، وليس فقط في طريقة التعبير عنها.

تكررت نتائج مشابهة في مجالات أخرى. ففي الإسبانية، تُستخدم كلمة واحدة لوصف الكوب والمج، بينما تميز الإنجليزية بينهما. وعند عرض صور لهذه الأشكال، أظهر دماغ المتحدثين بالإنجليزية استجابة أقوى للفروق بينها مقارنة بالإسبان.

مع ذلك، لا يزال من الصعب الجزم بأن هذه الاختلافات تؤثر بشكل مباشر في السلوك. فمعظم هذه النتائج تتعلق بعمليات لاواعية داخل الدماغ، وقد لا تنعكس دائمًا على قراراتنا الظاهرة.

اليوم، لا يميل الباحثون إلى تبنّي الفكرة المتطرفة التي تقول إن متحدثي لغات مختلفة يعيشون في عوالم إدراكية منفصلة تمامًا. بل يرون أن تأثير اللغة موجود، لكنه جزئي ومتدرج. ربما يؤثر امتلاك كلمة إضافية لوصف لون معين في طريقة ملاحظتنا له، حتى لو كان ذلك تأثيرًا بسيطًا.

ومع ذلك، فإن ما نراه ونشمه ونشعر به يشكّل جزءًا أساسيًا من تفكيرنا. لذلك يواصل الباحثون دراسة العلاقة بين اللغة والإدراك، ليس فقط لفهم الألوان، بل لاستخلاص مبادئ أوسع يمكن تطبيقها على التفكير البشري عمومًا.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بالألوان وحدها، بل بكيف يمكن لنظام تواصلي مثل اللغة أن يترك بصمته على طريقة تفكيرنا وفهمنا للعالم.

المصدر

مقالات ذات صلة