بقلم: ريبيكا كيو
تخيل أنك في متجر إيكيا تبحث عن أريكة لشقتك الجديدة. تقع عينك على أريكة بلون خمري تتسع لشخصين، بوسائد كبيرة وناعمة. تحاول أن تتخيل كيف ستبدو مع أثاثك الحالي، وتقرر أنها الخيار المناسب. وبينما تواصل التجول، تجد مصباحًا بطابع صناعي وطاولة قهوة تعجبك، فتحاول أن تتخيل كيف ستبدو هذه القطع مع الأريكة. لكن تخيّل العناصر الثلاثة معًا يصبح أصعب بكثير من تخيّل الأريكة وحدها. فكم عدد القطع التي يمكن لعقلك أن يعيد ترتيبها في آن واحد؟ وهل لخيالنا حدّ، أم أنه بلا قيود؟
هذا هو السؤال الذي حاولنا الإجابة عنه في المختبر بجامعة نيو ساوث ويلز. بدلًا من الأثاث، استخدمنا أشكالًا بسيطة تُعرف باسم “بقع غابور”، وهي دوائر تحتوي على خطوط. كما استخدمنا ظاهرة بصرية تُسمى “التنافس بين العينين”، حيث تُعرض صورتان مختلفتان، واحدة لكل عين، لكنك لا ترى مزيجًا منهما، بل تدرك واحدة فقط في كل مرة.
أظهرت أبحاث سابقة أن مجرد تخيّل صورة معينة، أو رؤية نسخة ضعيفة منها، يزيد من احتمال أن تدركها لاحقًا عند عرضها ضمن هذا النوع من التنافس البصري. فإذا طُلب منك مثلًا أن تتخيل بقعة غابور حمراء لبضع ثوانٍ، ثم عُرضت عليك صورتان، واحدة حمراء وأخرى خضراء، فمن المرجح أن ترى الحمراء. يُعرف هذا التأثير باسم “التهيئة”.
وبما أن هذه التجارب كانت تركز عادة على صورة واحدة فقط، قررنا اختبار عدد الصور التي يمكن تخيلها في الوقت نفسه. فإذا كان خيالنا غير محدود، فمن المفترض أن نحصل على التأثير نفسه سواء تخيلنا صورة واحدة أو عدة صور.
بدأنا التجربة بطموح كبير، وطلبنا من المشاركين تخيل ما بين صورة واحدة إلى سبع صور. قدمنا لهم إشارات تحدد عدد الصور وألوانها واتجاهاتها، وكانت هذه الإشارات ظاهرة طوال فترة التخيل، حتى لا يعتمدوا على الذاكرة.
أظهرت النتائج أن قدرة المشاركين محدودة بوضوح. فعندما طُلب منهم الاحتفاظ بثلاث أو أربع صور في أذهانهم، تراجع تأثير التهيئة إلى مستوى عشوائي. كما أظهرت تجارب لاحقة أن المشاركين قيّموا صورهم الذهنية على أنها أقل وضوحًا كلما زاد عدد العناصر، وأن دقة هذه الصور انخفضت عندما حاولوا تخيل أكثر من عنصر في الوقت نفسه.
تشير هذه النتائج إلى أن خيالنا البصري يواجه قيودًا صارمة. ويُرجّح أن هذه القيود تنشأ داخل الشبكة الدماغية المسؤولة عن التخيل البصري، والتي تمتد بين مناطق أمامية وخلفية في الدماغ. تقوم المناطق الأمامية بدور التحكم وتوليد الصور الذهنية، عبر إشارات تنتقل إلى المناطق الحسية، حيث يتم تمثيل هذه الصور.
يمكن تشبيه هذه العملية برسم خرائط داخل الدماغ. فعندما نتخيل صورة، نُنشئ خريطة لها في المناطق البصرية. وعندما نحاول تخيل عدة صور، تتكوّن عدة خرائط تتنافس على المساحة والموارد نفسها داخل الدماغ. هذا التنافس هو ما يحدّ من قدرتنا على التخيل.
لكن لماذا يهم هذا الأمر؟
الخيال البصري لا يقتصر على تخيل الأثاث، بل يلعب دورًا مهمًا في مجالات متعددة، منها العلاج النفسي. على سبيل المثال، تُعالج أنواع من الرهاب عبر ما يُعرف بالتعرّض التخيلي، حيث يُطلب من المريض أن يتخيل المواقف التي تثير خوفه، مثل العناكب أو الطيران أو التحدث أمام الجمهور. ومع التكرار، يقلّ الخوف تدريجيًا.
كما يُستخدم التخيل في أسلوب آخر يُسمى “إعادة تشكيل السيناريوهات الذهنية”، ويُطبّق في علاج الاكتئاب والقلق واضطرابات الوسواس القهري واضطرابات الأكل. في هذا الأسلوب، يتخيل المريض مواقف مزعجة من الماضي أو المستقبل، ثم يُطلب منه إعادة صياغتها بشكل أكثر إيجابية.
ورغم أن هذه الأساليب تُعد من أفضل تقنيات العلاج السلوكي المعرفي، فإنها ليست فعالة بشكل كامل لدى الجميع. وقد يكون أحد الأسباب هو مدى “واقعية” الصور الذهنية التي يستطيع الشخص تكوينها، وهو أمر يتأثر بحدود القدرة التخيلية، وكذلك بالفروق الفردية بين الناس.
إضافة إلى ذلك، نعتمد على الخيال البصري في تذكّر الماضي والتخطيط للمستقبل، وفي الاحتفاظ بالمعلومات البصرية ومعالجتها، بل وحتى في أحكامنا الأخلاقية ونوايانا لمساعدة الآخرين. وبالتالي، فإن حدود هذا الخيال تؤثر في كمية المعلومات التي نستطيع التعامل معها وجودتها.
حتى الآن، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان بالإمكان تحسين هذه القدرة. لكن ما نعرفه هو أن دراسة هذه الحدود، وتطوير طرق دقيقة لقياسها، يمكن أن يساعدنا على فهم الإمكانات الحقيقية للعقل البشري، وربما إيجاد طرق جديدة لتوسيعها وتجاوز قيودها.
