بقلم: رامين سكيبا
قبل سنوات قليلة فقط، كان إطلاق الصواريخ حدثًا نادرًا. أما اليوم، ومع الانتشار السريع لشركات الفضاء التجارية وتزايد الوصول إلى المدار، تضاعف عدد الإطلاقات بشكل هائل خلال فترة قصيرة، حتى أصبح قريبًا من ثلاثة أضعاف ما كان عليه قبل خمس سنوات. ووفق تقديرات حديثة، شهد عام 2025 وحده إطلاق نحو 320 صاروخًا إلى الفضاء.
هذا النشاط المكثف لا يمر دون أثر بيئي. فكل عملية إطلاق تنتج مزيجًا من الانبعاثات، من أعمدة العادم الكثيفة التي تدفع الصاروخ خارج الغلاف الجوي، إلى الأقمار الصناعية التي تنتهي مهمتها وتحترق عند عودتها للأرض. وعلى الرغم من أن دول العالم بدأت منذ سبعينيات القرن الماضي بفرض قيود على ملوثات الهواء الناتجة عن السيارات والطائرات، فإن قطاع الصواريخ لا يزال إلى حد كبير خارج نطاق التنظيم الصارم، رغم تزايد التحذيرات العلمية من تأثيره المحتمل.
يقول بعض الباحثين إن فهم حجم الضرر الحقيقي ما يزال يحتاج إلى سنوات من الدراسة، وقد يستغرق الأمر عقدًا كاملًا قبل أن تتضح الصورة بشكل كامل. لكن الخطر، بحسبهم، أن التلوث قد يتراكم خلال هذه الفترة إلى مستوى يصعب إصلاحه لاحقًا.
ورغم أن حجم التلوث الفضائي ما يزال أقل بكثير من قطاع الطيران، فإن هناك قلقًا متزايدًا من تأثيره على طبقة الأوزون، التي ما زالت تتعافى ببطء من آثار مواد كيميائية محظورة سابقًا مثل مركبات الكلوروفلوروكربون. المشكلة أن البيانات الدقيقة لا تزال محدودة، وكذلك الشفافية من بعض الشركات، ما يجعل تقييم تأثير الوقود الصاروخي الجديد أمرًا معقدًا.
بعض العلماء يرون أن الأثر الحالي للصواريخ على الغلاف الجوي ما يزال محدودًا، لكنه مرشح للزيادة بسرعة إذا استمرت وتيرة الإطلاق في التصاعد. فالشركات الخاصة، وعلى رأسها سبيس إكس، تقود موجة الإطلاقات عبر صواريخ فالكون 9 التي تحمل أقمار ستارلينك، وهي شبكة ضخمة تضم آلاف الأقمار لتوفير الإنترنت حول العالم. وهناك خطط مستقبلية قد ترفع العدد إلى مستويات غير مسبوقة.
هذه الكوكبات الضخمة وحدها مسؤولة عن نسبة كبيرة من الانبعاثات المرتبطة بالصواريخ، وهي نسبة آخذة في الارتفاع عامًا بعد عام.
المشكلة لا تتوقف عند الإطلاق فقط. فطبقة الأوزون، الواقعة على ارتفاع يتراوح بين 10 و20 ميلًا فوق سطح الأرض، تلعب دور الدرع الواقي الذي يمتص الأشعة فوق البنفسجية الضارة. وأي خلل فيها ينعكس مباشرة على صحة الإنسان والنظم البيئية.
بعد عقود من التدهور بسبب مركبات CFC ثم حظرها، بدأت طبقة الأوزون بالتحسن التدريجي، وكان من المتوقع أن تتعافى بالكامل بحلول منتصف هذا القرن فوق بعض المناطق. لكن العلماء يحذرون الآن من أن هذا التعافي قد يتباطأ بسبب الانبعاثات الصاروخية، خصوصًا مع تراكم الجسيمات في طبقة الستراتوسفير وتأثيرها على التوازن الكيميائي الدقيق هناك.
أحد أخطر هذه الملوثات هو الكربون الأسود أو السخام، الناتج عن احتراق وقود الكيروسين المستخدم في عدد كبير من الصواريخ. هذه الجسيمات لا تبقى في الأسفل، بل ترتفع إلى طبقات عليا من الغلاف الجوي، حيث تمتص أشعة الشمس وتساهم في تسخينها، ما يخل بتوازن طبقة الأوزون ويؤدي إلى تآكلها بشكل غير مباشر.
ومع أن بعض أنواع الصواريخ تنتج ملوثات أخرى مثل الكلور والألومينا، فإن حجم الإطلاقات المتزايد هو ما يضاعف المشكلة. فحتى الصواريخ التي تبدو أقل تلويثًا، تصبح مؤثرة عندما تُطلق عشرات أو مئات المرات.
الدراسات الحديثة تشير إلى أن بعض النماذج الصاروخية الكبرى، مثل فالكون هيفي، والصواريخ الصينية طويلة المدى، وبعض الصواريخ الروسية والأوروبية، تسهم بشكل ملحوظ في هذه الانبعاثات. لكن الأهم ليس نوع الصاروخ فقط، بل عدد مرات الإطلاق المتزايد باستمرار.
وفي الوقت نفسه، لا يقتصر التلوث على الصعود إلى الفضاء. فكل الأقمار الصناعية التي تحترق عند عودتها، وكل بقايا الحطام الفضائي، تطلق كميات من المعادن والجسيمات في الغلاف الجوي. وتشير تقديرات حديثة إلى أن هذه الكتلة من المواد تجاوزت ألفي طن سنويًا مؤخرًا، وهو رقم في ازدياد مستمر.
هذه الجسيمات المعدنية قد تدخل في تفاعلات كيميائية معقدة تؤثر على مكونات الغلاف الجوي، وربما حتى على الأوزون نفسه.
في المقابل، تتجه بعض الشركات إلى تطوير وقود يُفترض أنه أقل ضررًا مثل الميثان والغاز الطبيعي المسال. لكن العلماء يؤكدون أن الصورة ليست محسومة بعد، فمدى “نظافة” هذه البدائل ما يزال غير واضح بدقة.
في النهاية، يرى الباحثون أن الحل ممكن، لكنه يتطلب مزيجًا من التنظيم والابتكار والشفافية. فالمشكلة، كما يصفها بعضهم، ليست مجرد مشكلة علمية، بل مسألة هندسية يمكن التعامل معها إذا وُجدت الإرادة.
لكن التحذير الأهم يبقى أن استمرار النمو غير المنضبط في إطلاق الصواريخ قد يجعل تأثيره على طبقة الأوزون مسألة وقت فقط، لا احتمالًا بعيدًا.
ورغم ذلك، يأمل العلماء أن يتمكن البشر من مواصلة استكشاف الفضاء دون أن يدفعوا ثمن ذلك على حساب الغلاف الجوي الذي يحمي الحياة على الأرض.
