بقلم: جيني غريفز
لطالما كانت الفروق بين الرجال والنساء في الذكاء والسلوك محل نقاش وجدل استمر لعقود. فبينما يرى البعض وجود اختلافات واضحة، يشكك آخرون في مدى صحتها أو أسبابها.
اليوم، تتزايد الأدلة العلمية التي تشير إلى أن مئات الجينات تنشط بطرق مختلفة في أدمغة الذكور والإناث بيولوجيًا. ومع ذلك، لا يزال معنى هذه الاختلافات غير محسوم بشكل كامل، رغم أن بعض هذه الجينات قد يكون مرتبطًا بأمراض دماغية تظهر بنسب مختلفة بين الجنسين، مثل الزهايمر وباركنسون.
تشير الدراسات إلى أن هذه الفروق تبدأ في مراحل مبكرة جدًا من التطور الجنيني، ما يعني أنها قد تلعب دورًا في تشكيل الدماغ منذ البداية. كما أن هذه الظاهرة لا تقتصر على البشر، بل وُجدت أيضًا لدى الرئيسيات الأخرى، مما يدل على أنها قديمة من الناحية التطورية.
نشاط الجينات في أدمغة الذكور والإناث
أكدت عقود من البحث وجود اختلافات بين الرجال والنساء في بنية الدماغ ووظائفه، وكذلك في قابلية الإصابة ببعض الاضطرابات النفسية والعصبية. لكن السؤال الذي ظل مطروحًا هو: إلى أي مدى تعود هذه الاختلافات إلى الجينات، وإلى أي مدى تلعب البيئة دورًا فيها؟
للإجابة عن هذا السؤال، يلجأ العلماء إلى دراسة نشاط الجينات مباشرة داخل الدماغ. ومع توفر الخريطة الكاملة للجينوم البشري، أصبح من الممكن تتبع نشاط آلاف الجينات بسهولة نسبية.
الجينات هي أجزاء من الحمض النووي، ولا تُظهر تأثيرها إلا عندما يتم نسخها إلى جزيئات تُعرف بالحمض النووي الريبي الرسول، والتي تُستخدم لاحقًا لإنتاج البروتينات، وهي العناصر التي تقوم فعليًا بوظائف الجسم المختلفة.
ومن خلال تحليل هذه الجزيئات، فيما يُعرف بـ""الترانسكريبتوم""، يستطيع العلماء قياس مستوى نشاط كل جين داخل نسيج معين، بل وحتى داخل خلية واحدة.
عندما قارن الباحثون هذا النشاط الجيني في عينات دماغية بعد الوفاة لمئات الرجال والنساء، اكتشفوا أنماطًا مختلفة بشكل لافت. فقد تبين أن نحو ثلث الجينات في الجسم يُعبَّر عنها بدرجات مختلفة بين الجنسين في نسيج واحد أو أكثر.
وكان من المتوقع أن تكون أكبر الفروق في الأنسجة التناسلية، لكن المفاجأة أن معظم أنسجة الجسم الأخرى أظهرت أيضًا اختلافات مرتبطة بالجنس. على سبيل المثال، أظهرت دراسات لاحقة اختلافات واضحة في نشاط الجينات في العضلات، بما يتماشى مع الفروق الفسيولوجية بين الرجال والنساء.
وفيما يتعلق بالدماغ تحديدًا، كشفت دراسة حديثة أن هناك أكثر من 600 جين أكثر نشاطًا في أدمغة الذكور، مقابل أكثر من 300 جين أكثر نشاطًا في أدمغة الإناث.
ما الجينات التي تختلف بين الجنسين في الدماغ
قد يبدو منطقيًا أن تكون الجينات الموجودة على الكروموسومات الجنسية هي المسؤولة عن هذه الفروق، إذ يمتلك الذكور كروموسوم X وكروموسوم Y، بينما تمتلك الإناث نسختين من كروموسوم X. لكن المثير أن نحو 90% من الجينات التي تُظهر اختلافًا بين الجنسين لا تقع على هذه الكروموسومات، بل على الكروموسومات العادية التي يشترك فيها كلا الجنسين.
وهذا يعني أن هناك إشارات أخرى تتحكم في نشاط هذه الجينات، ومن أبرز المرشحين لذلك الهرمونات الجنسية مثل التستوستيرون والإستروجين، حيث تبين أن كثيرًا من الجينات المتأثرة بالجنس في الدماغ تستجيب لهذه الهرمونات.
كيف تنشأ هذه الفروق في الدماغ
تشير الأدلة إلى أن هذه الاختلافات تبدأ في وقت مبكر جدًا خلال نمو الجنين، حتى قبل البلوغ، بل وقبل تشكل الأعضاء التناسلية.
وفي دراسة حديثة أُجريت على أدمغة أجنة، وُجد أن آلاف الجينات تُظهر نشاطًا مختلفًا بين الذكور والإناث، وأن هذه الأنماط تتشابه إلى حد كبير مع تلك الموجودة في أدمغة البالغين.
وهذا يشير إلى أن بعض الفروق قد تنشأ مباشرة من تأثير الجينات المرتبطة بالجنس، وليس فقط من تأثير الهرمونات.
هل تعني هذه الفروق أن أدمغة الرجال والنساء تعمل بشكل مختلف
من المنطقي أن تؤدي هذه الاختلافات الواسعة في نشاط الجينات إلى بعض الفروق في وظائف الدماغ، لكن مدى هذه الفروق وطبيعتها لا يزالان غير واضحين بشكل دقيق.
مع ذلك، بدأت بعض الأنماط بالظهور. فقد وُجد أن العديد من الجينات الأكثر نشاطًا لدى الإناث ترتبط بوظائف الخلايا العصبية، بينما ترتبط الجينات الأكثر نشاطًا لدى الذكور ببنية الخلايا ومكوناتها.
كما أن بعض هذه الجينات ينشط في مناطق محددة من الدماغ فقط، ما يشير إلى أن تأثيره قد يكون محصورًا في وظائف معينة داخل تلك المناطق.
ومع ذلك، لا يعني اختلاف نشاط الجينات بالضرورة اختلافًا في النتيجة النهائية، إذ يمكن للخلايا أن تعوّض هذه الفروق للحفاظ على توازن إنتاج البروتينات. وفي بعض الحالات، قد تختلف المسارات التطورية بين الجنسين لكنها تؤدي في النهاية إلى نفس النتيجة.
الصحة الدماغية
من الجوانب المهمة في هذا المجال ارتباط هذه الفروق الجينية باختلاف معدلات الإصابة ببعض الأمراض العصبية بين الرجال والنساء.
فمثلًا، تبين أن عددًا من الجينات المرتبطة بمرض الزهايمر يكون أكثر نشاطًا لدى الإناث، وهو ما قد يفسر ارتفاع معدلات الإصابة بهذا المرض بين النساء. كما تشير دراسات على الحيوانات إلى أن أحد الجينات المرتبطة بالذكور قد يزيد من حدة مرض باركنسون.
الأصول التطورية لهذه الفروق
لا تقتصر هذه الظاهرة على البشر، بل رُصدت أيضًا لدى أنواع أخرى مثل الفئران والقرود. بل إن هناك تشابهًا كبيرًا بين الجينات المرتبطة بالجنس لدى البشر وتلك الموجودة لدى القرود، ما يشير إلى أن هذه الفروق تعود إلى سلف مشترك عاش قبل عشرات الملايين من السنين.
وهذا يلمح إلى أن الانتقاء الطبيعي قد فضّل عبر الزمن أنماطًا جينية تدعم سلوكيات مختلفة قليلًا بين الذكور والإناث. وربما تعود هذه الجذور إلى مراحل أقدم في تاريخ تطور الثدييات، أو حتى الفقاريات بشكل عام.
في الواقع، يبدو أن الاختلاف في نشاط الجينات بين الجنسين أثناء تطور الدماغ ظاهرة شائعة في عالم الحيوان، وقد لوحظت حتى لدى كائنات بسيطة مثل الديدان.
