- من المتوقع أن يصل حجم الاستثمار في مراكز البيانات إلى نحو 7 تريليونات دولار بحلول عام 2030.
- ويُخصص جزء كبير من هذا المبلغ للتبريد، وتوليد الطاقة، وغيرها من مكونات الأجهزة المرتبطة.
- ويتطلب إنجاح هذا التوسع أن تركز الشركات والحكومات والهيئات الدولية على بناء التنسيق والتعاون داخل النظام منذ البداية.
نحن في خضم أكبر عملية بناء للبنية التحتية المادية في التاريخ الحديث. والقرارات التي يتخذها القادة اليوم ستحدد ما إذا كان ذلك سيقود إلى ازدهار مشترك أو إلى تعميق الفجوات العالمية.
على مدى عقدين، سيطرت البرمجيات على العالم، لكن تلك المرحلة انتهت. فقد تجاوزت القيمة السوقية لشركة إنفيديا 4 تريليونات دولار، متفوقة على جميع شركات البرمجيات. وتعود الأجهزة اليوم لتشكل أساس الاقتصاد الرقمي.
تتوقع شركة ماكنزي استثمارات بقيمة 7 تريليونات دولار في مراكز البيانات حتى عام 2030، منها 5.2 تريليونات مخصصة لأعباء عمل الذكاء الاصطناعي وحدها. كما التزمت أكبر خمس شركات أمريكية في مجال الحوسبة السحابية والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي بإنفاق رأسمالي يتراوح بين 660 و690 مليار دولار لعام 2026، أي ما يقارب ضعف مستويات 2025. ويبلغ الإنفاق التكنولوجي حالياً 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم يضاهي حجم مشاريع كبرى مثل نظام الطرق السريعة بين الولايات وبرنامج أبولو.
هذا التوسع ذو طابع عالمي. فقد أطلق الاتحاد الأوروبي خطة عمل بقيمة 200 مليار يورو لبناء “قارة الذكاء الاصطناعي”. والتزمت السعودية بأكثر من 40 مليار دولار لتطوير بنيته التحتية. وأعلنت الصين عن صندوق أشباه موصلات بقيمة 47.5 مليار دولار لتعزيز قدراتها المحلية وتقليل الاعتماد على الخارج. كما أشار الاحتياطي الفيدرالي إلى أن التجارة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ساهمت بنحو نصف نمو تجارة السلع في النصف الأول من عام 2025.
الاختناقات في العتاد
لم تعد مجموعات الذكاء الاصطناعي التي كانت تعمل على مئات وحدات المعالجة الرسومية كافية، بل باتت تتطلب عشرات الآلاف منها. ولم تعد الاختناقات تقتصر على الرقائق، بل تشمل الحرارة والطاقة والاتصال والذاكرة.
الحرارة
تُنتج وحدات المعالجة الرسومية عند التشغيل الكامل كثافة حرارية لا يمكن للتبريد الهوائي التعامل معها. وقد تحولت تقنيات التبريد السائل والغمر الحراري والهياكل الحرارية الجديدة من حلول تجريبية إلى متطلبات أساسية. وبلغ حجم سوق التبريد السائل لمراكز البيانات 6.65 مليار دولار في عام 2025، مع نمو سنوي يتجاوز 20%.
الطاقة
تشير تقديرات “غولدمان ساكس” إلى أن الطلب على الطاقة لمراكز البيانات سيرتفع بنسبة 165% بحلول 2030، مما يتطلب نحو 720 مليار دولار لتحديث شبكات الكهرباء. والعائق الحقيقي اليوم ليس نقص الرقائق، بل عدم قدرة شبكات الكهرباء على توفير الطاقة الكافية.
الاتصال
لم تعد التوصيلات النحاسية قادرة على نقل البيانات بالسرعة المطلوبة. ويتم استبدالها حالياً بتقنيات الفوتونيات السيليكونية والليزر عالي الأداء، ما يخلق سلاسل توريد جديدة بالكامل تعتمد على مواد وعمليات تصنيع لم تكن موجودة قبل خمس سنوات.
الذاكرة
لم تعد الذاكرة عالية النطاق الترددي سلعة عادية. إذ يتباطأ أداء وحدات المعالجة بسبب محدودية نقل البيانات. وقد تساعد بنى جديدة تعتمد على تجميع الذاكرة عبر المجموعات في تحسين تصميم مراكز البيانات، لكنها تتطلب إعادة التفكير في العلاقة بين الحوسبة والتخزين.
الشبكات داخل المجموعات
يختلف ربط وحدات المعالجة داخل الرف الواحد عن ربط الرفوف عبر مجموعة كاملة. وتوفر البنى الجديدة باستخدام أقمشة اتصال مخصصة ومفاتيح متخصصة قفزات كبيرة في الأداء.
ولا توجد هذه الاختناقات بمعزل عن بعضها. فقد يتوفر لمركز البيانات طاقة كافية دون تبريد مناسب، أو تبريد جيد دون شبكة اتصال فعالة. وكل اختناق يمثل فرصة. إذ تقدر ماكنزي أن 1.3 تريليون دولار، أي 25% من إجمالي الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، يذهب إلى الطاقة والتبريد والبنية التحتية. ورغم أن الرقائق تتصدر العناوين، فإن المنظومة المادية الكاملة هي التي تجعلها تعمل.
كما تواجه الاقتصاديات ضغوطاً كبيرة. إذ تقترب الشركات العملاقة من تدفقات نقدية حرة سلبية. وتحقق خدمات الذكاء الاصطناعي نحو 30 مليار دولار من الإيرادات مقابل مئات المليارات من الإنفاق على البنية التحتية. ولكي ينتشر الذكاء الاصطناعي كما انتشر الإنترنت، يجب أن تنخفض تكاليف التشغيل بشكل كبير، سواء عبر تحسين الكفاءة أو عبر اختراقات جوهرية في البنية التحتية.
المسار الصحيح لبناء بنية الذكاء الاصطناعي
هذا النمط تكرر من قبل. ففي عصر الحواسيب، استحوذت إنتل ومايكروسوفت على القيمة من خلال التحكم في المعالج ونظام التشغيل. وفي عصر الإنترنت، لعبت سيسكو دور العمود الفقري. وفي عصر الحوسبة السحابية، أصبحت خدمات أمازون السحابية طبقة البنية التحتية. أما في الهواتف الذكية، فقد سيطرت آبل على المنظومة المتكاملة.
كل تحول تقني كبير يرسخ أولاً طبقة البنية التحتية، ثم يفتح المجال لتطوير التطبيقات. ويسير الذكاء الاصطناعي على النهج ذاته، لكن بحجم استثمارات أكبر ومخاطر جيوسياسية أعلى.
هناك مساران محتملان: أحدهما قائم على التشتت وتباطؤ النمو، والآخر على التنسيق والتعاون. والقرارات التي ستُتخذ خلال 18 إلى 24 شهراً المقبلة بشأن الاستثمار والمعايير والتنسيق ستحدد أي المسارين سنسلك.
في المسار الأول، تقوم مناطق مختلفة ببناء بنى تحتية مكررة بشكل منفصل، مع اختلاف المعايير. ولا يمكن بسهولة نشر نموذج تم تدريبه في الولايات المتحدة داخل أوروبا. ويضطر المطورون لاختيار الأسواق بناءً على توافق البنية التحتية بدلاً من الفرص السوقية. ويؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة الرقمية بشكل دائم.
ويحدث هذا عندما تنظر الحكومات الوطنية إلى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كميزة تنافسية فقط، فتسابق لبناء قدرات محلية وتكرر الاستثمارات نفسها في الطاقة والتبريد والشبكات. كما يركز قادة الأعمال على أسواقهم المحلية بسبب ضغوط التدفقات النقدية.
أما في المسار الثاني، فتتفق الاقتصادات على معايير مشتركة لتشغيل البنية التحتية بشكل متوافق. ويتم تخطيط شبكات الطاقة إقليمياً، وتطوير تقنيات التبريد والاتصال بشكل تعاوني، مما يقلل التكاليف ويُسرّع التنفيذ. كما تتمكن الاقتصادات الصغيرة من الاستفادة من البنية المشتركة بدلاً من بناء كل شيء بنفسها. وتصبح الاستدامة ممكنة من خلال استثمارات منسقة في الطاقة المتجددة. ويغدو الذكاء الاصطناعي منصة مفتوحة للجميع، وليس حكراً على الكبار.
يتطلب هذا المسار التزاماً حقيقياً من ثلاث جهات:
على قادة الأعمال الالتزام باستثمارات طويلة الأجل رغم عدم اليقين والخسائر قصيرة المدى. كما يمكن للتعاون بين القطاعات في مجالات مثل التبريد والطاقة أن يقلل التكاليف ويُسرّع التنفيذ، إلى جانب الاستثمار في تدريب وإعادة تأهيل القوى العاملة.
على الحكومات الوطنية تسريع إجراءات الاستثمار في شبكات الكهرباء ووضع أطر تنظيمية مناسبة. كما يمكن لنماذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص أن توزع التكاليف والمخاطر. ويسهم التنسيق الإقليمي في تحويل التنافس إلى ميزة تعاونية.
أما الهيئات الدولية، فعليها تطوير أطر حوكمة منسقة تمنع تشتت المعايير مع احترام سيادة الدول. كما ينبغي ضمان نقل التكنولوجيا إلى الاقتصادات الناشئة، ووضع آليات فعالة لتطبيق معايير الاستدامة عبر الحدود.
في النهاية، يعتمد مصير هذا التحول البالغ 7 تريليونات دولار على ما إذا كنا سنبني بنية تحتية للذكاء الاصطناعي تخدم الازدهار المشترك، أم نركز القوة في أيدي قلة.
