- تدرك المؤسسات بشكل متزايد أن معظم انبعاثاتها تُولد خارج حدود عملياتها المباشرة، سواء في المراحل السابقة أو اللاحقة من سلسلة القيمة، مما يجعل أدائها المناخي معتمداً إلى حد كبير على أنشطة الموردين والشركاء.
- يمكن أن يشمل التعامل مع انبعاثات النطاق الثالث تحسين جودة البيانات، ودعم إزالة الكربون لدى الموردين، وربط الإفصاح بعمليات الشراء، وتوحيد معايير التقارير، وتطبيق التكنولوجيا بشكل مدروس.
- يتطلب النهج المتكامل لمعالجة انبعاثات النطاق الثالث تعاوناً بين الشركات والموردين وصناع السياسات والباحثين.
أصبح من المعروف الآن أن البصمة الكربونية للشركة تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من عملياتها المباشرة. بالنسبة للعديد من المؤسسات، تقع معظم الانبعاثات في المراحل السابقة أو اللاحقة من سلسلة القيمة، والمعروفة باسم انبعاثات النطاق الثالث، والتي تشمل كل شيء بدءاً من السلع المشتراة والخدمات اللوجستية وصولاً إلى استخدام المنتجات والتخلص منها في نهاية عمرها.
في قطاعات مثل التصنيع والرعاية الصحية والأغذية والسلع الاستهلاكية، تمثل هذه الانبعاثات غير المباشرة عادةً أكثر من 80% من إجمالي الانبعاثات.
وبحسب بروتوكول غازات الدفيئة، تُعرّف انبعاثات النطاق الثالث بأنها جميع الانبعاثات غير المباشرة التي لا تندرج ضمن النطاقين الأول والثاني، وهي منظمة ضمن 15 فئة تغطي الأنشطة السابقة واللاحقة.
عملياً، يعني ذلك أن الأداء المناخي للشركة يتحدد بدرجة أقل بما تتحكم فيه مباشرة، وبدرجة أكبر بكيفية إنتاج الموردين للمدخلات، وكيفية نقل السلع، وكيفية استخدام المنتجات، وكيفية التخلص منها في نهاية عمرها.
وهذا هو السبب تحديداً في أن انبعاثات النطاق الثالث تُعد الأكثر تعقيداً في مسار إزالة الكربون على مستوى الشركات، نظراً لطبيعتها غير المباشرة واعتمادها على إجراءات الموردين.
حالياً، البيانات مجزأة، والموردون يفتقرون إلى الحوافز القوية للإفصاح عن الانبعاثات، كما أن السياسات الكربونية العالمية غير متسقة، ويواجه المشترون ما يُعرف بمشكلة “الراكب المجاني”، حيث تستفيد الشركات المنافسة من استثمارات شركة ما في موردين أنظف دون تحمل التكاليف.
ومع ذلك، فإن النقاش يتغير. لم يعد السؤال ما إذا كانت انبعاثات النطاق الثالث مهمة، بل كيف يمكن للمؤسسات التعامل معها بشكل موثوق وعلى نطاق واسع. عبر مختلف القطاعات، بدأت مجموعة من الممارسات الناشئة في إعادة تشكيل مفهوم الإدارة الفعالة لهذه الانبعاثات.
مقاربات تنظيمية لمعالجة انبعاثات النطاق الثالث
- البدء بالأهمية النسبية ومناطق “التركيز العالي” للانبعاثات
بدلاً من محاولة قياس جميع فئات النطاق الثالث الخمس عشرة دفعة واحدة، تعتمد المؤسسات الرائدة على منهجيات قائمة على الأهمية النسبية، مع التركيز على “نقاط التركيز”.
بالنسبة لمعظم الشركات، تتركز الانبعاثات بشكل كبير في عدد محدود من الفئات، خاصة في السلع والخدمات المشتراة، والسلع الرأسمالية، والنقل في المراحل السابقة.
ومن خلال رسم خريطة للانبعاثات حسب الفئة وتحديد هذه “النقاط”، يمكن للشركات توجيه مواردها نحو المجالات التي تحقق أكبر تخفيض ممكن.
- تحسين جودة البيانات وليس فقط كميتها
التحول الثاني يتمثل في الانتقال من المتوسطات العامة للصناعة إلى بيانات أولية أكثر دقة خاصة بالموردين.
تعتمد العديد من الشركات حالياً على التعاون مع الموردين لتحسين دقة البيانات، وفهم كيفية إنتاج المدخلات، ومصادر الطاقة المستخدمة، والمواد الداخلة في العملية.
وهذا أمر بالغ الأهمية، خاصة للمدخلات غير المباشرة التي تكون انبعاثاتها متجذرة بعمق في عمليات الموردين وغالباً ما تكون غير مرئية للمشترين.
- تطوير الموردين كاستراتيجية لإزالة الكربون
تشير الأدلة إلى أن تطوير الموردين والتعاون معهم أكثر فعالية من الاعتماد على الضغط القائم على الامتثال فقط، خاصة عندما يواجه الموردون قيوداً في القدرات.
يفتقر العديد من الموردين، خصوصاً الشركات الصغيرة والمتوسطة في الأسواق الناشئة، إلى الموارد المالية أو التقنية اللازمة لإزالة الكربون دون دعم.
بدلاً من فرض متطلبات صارمة، تستثمر بعض الشركات في الموردين عبر التدريب، وتحديث المعدات، والمساعدة التقنية، وتقديم عقود طويلة الأجل تبرر الاستثمار.
هذا النهج يعكس واقعاً بسيطاً: لا يمكن للموردين إزالة الكربون بشكل مستدام إذا تم تحميلهم كامل التكاليف والمخاطر.
- إدماج الإفصاح عن النطاق الثالث في حوكمة المشتريات
أحد الأساليب الفعالة يتمثل في دمج الإفصاح عن الانبعاثات ضمن سياسات الشراء منخفضة الكربون، بحيث يصبح الإفصاح شرطاً أساسياً للوصول إلى السوق.
مثال بارز على ذلك هو الخدمة الصحية الوطنية في المملكة المتحدة، حيث تمثل انبعاثات النطاق الثالث نحو ثلثي إجمالي الانبعاثات. من خلال خارطة طريق الموردين نحو الحياد الكربوني، يُطلب من الموردين نشر خطط خفض الانبعاثات والإفصاح عن بياناتها كشرط للتعامل.
هذا النهج يحد من مشكلة “الراكب المجاني”، ويجعل الإفصاح معياراً طبيعياً، ويُوسع نطاق التأثير عبر آلاف الموردين.
- التوحيد والعمل الجماعي لتجاوز مشكلة “الراكب المجاني”
يُعد غياب المعايير الموحدة أحد أبرز العوائق، إذ يؤدي استخدام مقاييس مختلفة إلى إرباك الموردين وصعوبة المقارنة بين الأداء.
استجابةً لذلك، تتجه العديد من القطاعات إلى استخدام منصات إفصاح مشتركة ومبادرات متعددة الأطراف لتوحيد التقارير وتعزيز العمل الجماعي.
تشير الأبحاث إلى أن هذه المقاربات التعاونية أكثر فعالية في خفض الانبعاثات مقارنة بالمبادرات الفردية لكل شركة على حدة.
- التكنولوجيا كعامل تمكين وليس حلاً سحرياً
يتم استخدام أدوات رقمية مثل منصات التتبع، وجوازات السفر الرقمية للمنتجات، وأجهزة الاستشعار، وأنظمة “الحجز والمطالبة” لدعم قياس الانبعاثات وتحفيزها.
لكن الحلول الأكثر فعالية هي التي تجمع بين التكنولوجيا واستراتيجيات الشراء وتحفيز الأطراف المعنية.
بدلاً من اعتبار إزالة الكربون مجرد تكلفة امتثال، تُدرج بعض النماذج أداء الانبعاثات ضمن العقود، مما يسمح للموردين بتحقيق قيمة من الإنتاج منخفض الكربون، ويُمكّن المشترين من الدفع مقابل التخفيضات الموثقة.
في هذه الحالات، تدعم التكنولوجيا ترتيبات سوقية جديدة بدلاً من العمل بشكل منفصل.
المسار المستقبلي قائم على التعاون
تتسارع جهود إزالة الكربون، وأصبح من الواضح أن النجاح أو الفشل سيتحدد في سلاسل التوريد.
بالنسبة لمعظم المؤسسات، تمثل انبعاثات النطاق الثالث الحصة الأكبر من بصمتها الكربونية، لكنها تظل الأصعب تأثيراً.
تعكس هذه الانبعاثات قرارات يومية تتعلق بالمشتريات، وعلاقات الموردين، وكيفية توزيع المسؤولية عبر سلسلة القيمة.
رغم إحراز تقدم، فإن توسيع نطاق التأثير يتطلب أكثر من مبادرات فردية. هناك حاجة إلى تعاون أقوى بين الشركات والموردين وصناع السياسات والباحثين لتوليد أدلة عملية حول ما ينجح، وما يمكن توسيعه، وتحت أي ظروف.
بدون ذلك، ستظل انبعاثات النطاق الثالث مجرد تمرين تقريري، بدلاً من أن تصبح مساراً موثوقاً لإزالة الكربون على المدى الطويل.
