- يشهد الاستثمار المؤثر نمواً سريعاً، لكن نقص البيانات القابلة للمقارنة أصبح يشكّل عنق زجاجة أمام تخصيص رأس المال وتعزيز المصداقية.
- إن توحيد المقاييس وحده لا يكفي لتحقيق قابلية المقارنة، لأن الأثر بطبيعته سياقي ويتطلب ترجمة الفروقات بدلاً من فرض التجانس.
- يمكن للذكاء الاصطناعي، عند دمجه مع حوكمة قوية، أن ينسّق بيانات الأثر المتنوعة على نطاق واسع، مما يمكّن من اتخاذ قرارات استثمارية أكثر ذكاءً دون التضحية بالسياق.
يمثل الاستثمار المؤثر حالياً أصولاً تحت الإدارة بقيمة 1.57 تريليون دولار، تشمل نحو 4,000 منظمة حول العالم، مع نمو سنوي يتجاوز 20% وفقاً لتقرير سوق الاستثمار المؤثر لعام 2024 الصادر عن الشبكة العالمية للاستثمار المؤثر.
يتم اليوم توجيه رأس مال أكبر من أي وقت مضى بهدف واضح يتمثل في تحقيق نتائج اجتماعية وبيئية قابلة للقياس.
ومع نضوج السوق، تبرز نقطة ضعف هيكلية يصعب تجاهلها: لا يزال القطاع يفتقر إلى طريقة موحدة لمقارنة نتائج الأثر بين المؤسسات، مما يقوّض مصداقيته وقدرته على تخصيص رأس المال بفعالية.
من دون قابلية للمقارنة، لا يمكن لرأس المال أن يتدفق نحو الحلول الأكثر تأثيراً، وتجد النماذج عالية الأداء صعوبة في التميّز، كما تظل ادعاءات الأثر صعبة التحقق. وهذا يخلق عنق زجاجة قد يبطئ النمو المستقبلي.
الأثر بطبيعته سياقي. فكيلوغرام من النفايات المُعاد توجيهها في نيروبي – حيث يرتبط ذلك ارتباطاً وثيقاً بسبل العيش ضمن أنظمة غير رسمية – لا يمثل نفس النتيجة كما في برشلونة، حيث يشير إلى مكاسب في الكفاءة ضمن بنية تحتية متطورة.
إن محاولات توحيد المقاييس قد تمحو السياق الذي يمنح الأثر معناه.
لكن في المقابل، يخلق غياب التوحيد مشكلة أخرى. فعندما لا يمكن مقارنة البيانات إطلاقاً، يصبح تخصيص رأس المال غامضاً. وقد تصبح المؤسسات التي تقيس أثرها بدقة ولكن بطرق لا تتماشى مع الأطر السائدة غير مرئية تحليلياً.
يعكس المشهد الحالي هذا التوازن الصعب. فوجود أطر متعددة مثل IRIS+، ومبادرة التقارير العالمية (GRI)، ومعايير مجلس معايير المحاسبة للاستدامة، والمعايير الدولية للتقارير المالية، ولائحة الإفصاح المالي المستدام، ومعايير مؤسسة التمويل الدولية، وغيرها من الأطر، يعني أن حتى المؤشرات المتشابهة تُعرّف بوحدات ونطاقات ومعايير مختلفة.
فقد تُبلغ GRI عن استهلاك الطاقة بالميغاواط-ساعة عبر سلسلة القيمة الكاملة، بينما تركز معايير أخرى على العمليات الأساسية وتستخدم وحدات مختلفة. كل نهج متسق داخلياً، لكن عند المقارنة عبر محفظة استثمارية، تتحول هذه الاختلافات إلى ضوضاء بدل أن تكون رؤى مفيدة.
هذه ليست مشكلة جديدة في أسواق رأس المال. فقد لم تتوسع الأسواق المالية إلا بعد إدخال معايير محاسبية خلقت قابلية للمقارنة، كما ساهمت تصنيفات الائتمان في إنشاء لغة مشتركة للمخاطر.
كما تمثل مقاييس رأسمالية أصحاب المصلحة محاولة مماثلة لإضفاء الاتساق على التقارير غير المالية.
يواجه الاستثمار المؤثر اليوم تحدياً مشابهاً: من دون أساس مشترك للمقارنة، لا يمكن للحجم وحده أن يحقق الكفاءة أو المصداقية.
كيف يمكن كسر عنق الزجاجة في قابلية المقارنة
إذا لم يكن بالإمكان حل المشكلة عبر التوحيد فقط، فإن السؤال يصبح: ما الذي يلزم لجعل بيانات الأثر قابلة للاستخدام على نطاق واسع؟ هناك ثلاثة تحولات رئيسية:
أولاً، يجب النظر إلى قابلية المقارنة كعملية ترجمة وليس كعملية توحيد. لا يحتاج المستثمرون إلى مؤشرات متطابقة، بل إلى طرق موثوقة لفهم الفروقات: متى تعكس المقاييس نفس النتيجة الأساسية، ومتى يجب تجميعها مع الحفاظ على تمييزها، ومتى لا ينبغي تجميعها إطلاقاً.
تشير بعض النماذج الناشئة إلى هذا الاتجاه، حيث توفر هيكلاً كافياً لتحقيق التوافق مع الحفاظ على المرونة اللازمة للحفاظ على السياق.
ثانياً، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي لتمكين التصنيف والتنسيق على نطاق واسع. فالذكاء الاصطناعي لن يحدد ما يُعد أثراً، لكنه يمكن أن يحسّن بشكل كبير طريقة معالجة البيانات.
من خلال تصنيف المؤشرات بناءً على المعنى وليس الصياغة، وتحديد التكافؤ بين أنظمة التقارير، واكتشاف المخاطر مثل الازدواجية، يجعل الذكاء الاصطناعي قابلية المقارنة قابلة للتطبيق عملياً على نطاق واسع.
في تجربة تطبيقية شملت أكثر من 500 عملية استثمار، تم تحقيق دقة تقارب 90% في مطابقة المؤشرات. وظل الحكم البشري ضرورياً، لكن ما كان مستحيلاً على نطاق واسع أصبح قابلاً للتنفيذ.
ثالثاً، تُعد الحوكمة حجر الأساس. فحتى أفضل الأنظمة التقنية تحتاج إلى قرارات بشرية: ما الذي يُدرج، وأين يكون التنسيق مناسباً، وكيف يتم منع الازدواجية، وما هي الافتراضات المقبولة. التقنية تمكّن هذه الوظائف لكنها لا تحدد معاييرها.
تحول جذري في طريقة التفكير حول بيانات الأثر
الجزء الأهم من الحل ليس الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بل إعادة صياغة المشكلة.
تحاول معظم المعايير اليوم حل مشكلتين مختلفتين في آن واحد: كيف تقيس الشركات الأثر بشكل أفضل، وكيف نقارن هذه البيانات عبر السوق. لكن هاتين ليستا نفس المشكلة.
تحسين قياس الشركات يتطلب مرونة، بحيث تتمكن كل مؤسسة من التقاط ما هو مهم عملياً وما يعزز ميزتها التنافسية.
أما المقارنة بين النتائج عبر المحافظ الاستثمارية، فتتطلب منطقاً مشتركاً لتجميع وترجمة المؤشرات بغض النظر عن كيفية قياسها.
عند دمج هاتين المشكلتين في إطار واحد، يُفرض على القطاع اختيار مستحيل: كلما زاد التوحيد لتحسين المقارنة، قلّت قدرة الشركات على قياس ما يهمها فعلاً، وكلما قلّ القياس، أصبحت البيانات أقل فائدة للجميع.
يكمن التحول الحقيقي في فصل هاتين المشكلتين. مسار يركز على تحسين القياس داخل الشركات، ومسار آخر يركز على المقارنة كطبقة تحليلية مستقلة تقوم بترجمة البيانات بدلاً من تقييدها.
يمكن للذكاء الاصطناعي دعم كلا المسارين بطرق مختلفة: تحسين جمع البيانات من جهة، وتمكين التصنيف والتنسيق على نطاق واسع من جهة أخرى.
ما يجعل هذا التحول ممكناً اليوم هو التقدم التكنولوجي. إذ أصبح بالإمكان أخذ بيانات متنوعة من آلاف المؤسسات وتحويلها إلى معلومات قابلة لاتخاذ القرار دون فرض التوحيد عند المصدر.
وهذا يغيّر السؤال من: “كيف نجعل الجميع يقيس بالطريقة نفسها؟” إلى: “كيف نفهم ما يقيسه الجميع بالفعل؟”
وأحياناً، مجرد إعادة صياغة السؤال كفيلة بفتح الطريق نحو الحل الحقيقي.
