القائمة الرئيسية

صور الدماغ مثيرة للاهتمام، لكن السلوك يخبرنا أكثر عن العقل

صور الدماغ مثيرة للاهتمام، لكن السلوك يخبرنا أكثر عن العقل
ملخص المقال

يشرح المقال في موقع the conversation

بقلم كاثرين لوفيداي كيف يمكن فهم العقل البشري عبر مقارنة طريقة عمله بأسلوب “الميكانيكي” الذي يستنتج الأعطال من مقارنة الأنظمة السليمة وغير السليمة، موضحًا أن هذا المبدأ هو أساس علم النفس العصبي. ويستعرض أمثلة تاريخية وحديثة مثل اكتشاف بروكا لدور منطقة في الدماغ في إنتاج الكلام، وحالات توضح أن التعرف على الوجوه قد يكون مهارات منفصلة حسب نوع الكائن. كما يبين أن دراسة الحالات العصبية، مثل التوحد والخرف، تكشف اختلافات في معالجة المعلومات وتساعد في التشخيص والعلاج. ويؤكد المقال أن تصوير الدماغ وحده لا يكفي لفهم العقل، بل يجب دمجه مع تحليل السلوك والوظائف المعرفية لفهم أعمق وأكثر دقة لكيفية تفكير الإنسان وتذكره وتصرفه.

بقلم: كاثرين لوفيداي

تخيّل أنك حصلت فجأة على وظيفة ميكانيكي سيارات، لكنك لا تعرف أي شيء عن السيارات إطلاقًا، ولا توجد كتب ترشدك، ولا إنترنت، ولا أي شخص مستعد لشرح شيء لك. لديك مجموعة من السيارات: بعضها يعمل بشكل طبيعي تمامًا، وبعضها لا يعمل جيدًا أو يتصرف بطريقة غريبة. ماذا ستفعل في هذه الحالة؟

على الأرجح ستبدأ بمحاولة فهم المشكلة عبر مقارنة السيارات التي لا تعمل بشكل صحيح، أو تصدر أصواتًا غير معتادة، أو لا تسير بشكل مستقيم، بالسيارات التي تعمل بشكل طبيعي. ومن هنا تحاول استنتاج أين يكمن الخلل. هذا بالضبط هو المبدأ نفسه الذي يمكننا استخدامه لفهم العقل البشري.

في عام 1861 كان الطبيب بول بروكا يعمل مع مريض يُعرف باسم “تان”، وقد أُطلق عليه هذا الاسم لأن هذه كانت تقريبًا الكلمة الوحيدة التي كان يستطيع نطقها. هذا المريض فقد قدرته على الكلام تدريجيًا خلال واحد وعشرين عامًا، لكنه في الوقت نفسه كان قادرًا على فهم ما يُقال له، ولم يظهر عليه فقدان واضح في قدراته العقلية الأخرى. كان بروكا طبيبًا دقيق الملاحظة، وعندما توفي المريض طلب أن يفحص دماغه. وبالفعل اكتشف أن هناك منطقة محددة في الدماغ قد تضررت، وهي جزء من الفص الجبهي، فاستنتج أن هذه المنطقة ضرورية لإنتاج الكلام، لكنها ليست ضرورية لفهمه.

هذا الاكتشاف كان من الأسس التي بُني عليها علم النفس العصبي المعرفي الحديث، أي فكرة أن العقل يتكون من وظائف متعددة يمكن أن تعمل بشكل مستقل إلى حد ما، وأن كل وظيفة منها تعتمد على أنظمة مختلفة في الدماغ.

وفي مثال أكثر حداثة، كان هناك مزارع يُعرف باسم “MX” اشتكى من أنه لم يعد قادرًا على التعرف على الوجوه. والغريب أنه عندما خضع للاختبارات، تحسنت قدرته على التعرف على الوجوه البشرية إلى حد ما، لكنه ظل غير قادر على التعرف على أبقاره. وفي المقابل هناك دراسة أخرى تتحدث عن راعٍ كان قادرًا على التعرف على أغنامه بدقة، لكنه فقد القدرة على التعرف على الوجوه البشرية. هذا يقودنا إلى استنتاج مهم وهو أن التعرف على الوجوه البشرية والتعرف على وجوه الحيوانات قد يكونان عمليتين مختلفتين تمامًا.

من هنا يمكننا أن نتعلم الكثير عن طريقة عمل الدماغ من خلال دراسة الأشخاص الذين يعانون من صعوبات محددة، مثل من تعرضوا لإصابات دماغية أو من أصيبوا بالخرف. كما يمكننا أيضًا أن نتعلم من الأشخاص الذين يمتلكون قدرات استثنائية غير معتادة، مثل بعض الأشخاص المصابين بالتوحد الذين يستطيعون حفظ قطعة موسيقية كاملة بعد سماعها مرة واحدة فقط. وهنا يبرز السؤال: ما الذي يميز هذه الأدمغة؟

في الوقت الحاضر أصبح بإمكاننا استخدام تقنيات حديثة لرؤية الدماغ من الداخل، وكأننا نفتح غطاء السيارة لنرى ما بداخلها. لكن هذه الصور لا تقدم دائمًا الإجابات التي نبحث عنها، ولا تخبرنا كيف يعمل العقل فعليًا، مثل كيف نفكر أو كيف نتذكر. لكي نفهم ذلك نحن بحاجة إلى أكثر من مجرد معرفة المناطق النشطة في الدماغ، نحن بحاجة إلى فهم ما الذي يفعله الدماغ فعليًا، وهنا يأتي دور ما يسمى بالتحليل المعرفي للسلوك.

ما وراء التصوير

عندما ندرس أداء الأشخاص في مجموعة من الاختبارات العقلية المختلفة، مثل تذكر قائمة كلمات أو حل مسائل تتطلب التفكير، نستطيع أن نلاحظ أنماطًا متكررة من القوة والضعف. ومن خلال هذه الأنماط يمكننا استنتاج العمليات العقلية الأساسية التي تقف خلفها.

عندما نطبق هذا الأسلوب على اضطرابات مثل التوحد، فإنه يساعدنا على فهم أسباب بعض السلوكيات، كما يمنحنا أدلة مهمة عن كيفية عمل الدماغ. فعلى سبيل المثال، وجد الباحثون أن الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد يعالجون المعلومات بطريقة مختلفة عن غيرهم من الأطفال، وهذا ما يفسر سبب شعورهم بالإرهاق بسرعة في البيئات الجديدة أو المزدحمة. كما ساعدت هذه النتائج علماء الأعصاب في تحديد بعض التغيرات المحددة في الدماغ.

ولا يقتصر هذا الأسلوب على فهم الاضطرابات فقط، بل يُستخدم أيضًا في المجال الطبي. ففي أبحاثي نحن نستخدم التحليل المعرفي للسلوك للتمييز بين مرض ألزهايمر وأنواع أخرى من الخرف. وعلى المستوى السريري يساعد هذا في توجيه العلاج وتقييم مدى فعاليته. كما أنه يتيح للمتخصصين تقديم استراتيجيات مخصصة لتحسين حياة المرضى اليومية، مثل تقنيات محددة لتحسين الذاكرة ودعم نفسي مناسب. وعلى المستوى العلمي النظري يساعد هذا الأسلوب في فهم أعمق لكيفية تأثر الذاكرة بأنواع الخرف المختلفة، وكذلك فهم آلية عمل الذاكرة الطبيعية لدى الإنسان.

ورغم أننا نحقق تقدمًا كبيرًا في فهم كيف نفكر ونتكلم ونتذكر، ولماذا يختلف ذلك بين الأشخاص، إلا أننا ما زلنا نعرف القليل عن كيفية بناء الدماغ للعقل. وتشير أبحاثنا على المصابين بإصابات دماغية رضحية إلى أن بعض الأشخاص قد لا تظهر لديهم أي تلف واضح في الدماغ في صور الرنين المغناطيسي التقليدية، ومع ذلك يعانون من صعوبات حقيقية في أداء بعض المهام وفي حياتهم اليومية.

من الواضح أن صور الدماغ لا تخبرنا بكل شيء. صحيح أننا أصبحنا قادرين اليوم على النظر داخل الدماغ، لكن من المهم أيضًا ألا ننسى أن نراقب كيف يفكر الناس ويتصرفون في الواقع، لأن ذلك هو ما يكشف لنا الصورة الكاملة للعقل البشري.

المصدر

مقالات ذات صلة