بقلم: فيونا كومفور
ليست كل الذكريات متساوية. فمدى تذكّرك لحدث ما في اليوم التالي أو بعد أسبوع أو حتى بعد عام يعتمد على عدة عوامل، أهمها العاطفة المرتبطة به.
تجذب الأحداث العاطفية انتباهنا أسرع من الأحداث غير العاطفية، كما يميل الناس إلى استرجاعها بشكل أكبر. لذلك، تتشكل ذكريات الأحداث المشحونة عاطفيًا بتفاصيل غنية، مما يجعلها تُستعاد بوضوح شديد حتى بعد سنوات طويلة.
ما الذي تتذكره؟
على سبيل المثال، إلى أي مدى تتذكر أين كنت عندما سمعت خبر هجمات 11 سبتمبر الإرهابية في الولايات المتحدة؟ يتذكر معظم الناس هذا الحدث بتفاصيل دقيقة: المكان الذي كانوا فيه، ومن كان معهم، وحتى حالة الطقس أو ما كان يُطهى في المطبخ.
تُعرف هذه الذكريات العاطفية باسم “ذكريات الوميض”. وهي ذكريات تُسترجع بتفاصيل حية للغاية، وكأن دماغك التقط صورة في تلك اللحظة.
ولا يقتصر تأثير الأحداث العاطفية على الأحداث العامة غير المتوقعة فقط، بل يشمل أيضًا أحداثًا شخصية مثل ولادة طفل، أو يوم الزواج، أو حتى الخلافات. فهذه الأحداث تُحفظ في الذاكرة بوضوح وتفصيل أكبر مقارنة بالأحداث الروتينية التي وقعت في نفس الفترة.
وتُظهر هذه الظاهرة المدهشة كيف يتكيف الدماغ ويُضفي ألوانًا على ذاكرتنا وفقًا للظروف.
أين تتشكل الذكريات العاطفية؟
ليست فكرة تخزين الذكريات العاطفية بشكل مميز في الدماغ جديدة. ففي عام 1890، أشار الفيلسوف وعالم النفس ويليام جيمس إلى أن الأحداث العاطفية تترك “ندبة في أنسجة الدماغ”.
لكن المناطق الدماغية المسؤولة عن هذا التعزيز العاطفي لم تكن مفهومة جيدًا.
في عام 1994، وصف عالم الأعصاب رالف أدولفس حالة امرأة أطلق عليها اسم “إس. إم.”، تعاني من مرض وراثي نادر يُعرف بمرض أورباخ-فيته. يؤدي هذا المرض إلى تدهور بنية محددة في الدماغ تُسمى اللوزة الدماغية.
تعاني هذه المريضة من غياب الخوف وصعوبة في التعرف على مشاعر الخوف لدى الآخرين. والأكثر إثارة للدهشة أن ذاكرتها العاطفية كانت متأثرة بشدة، إذ لم تُظهر ذلك التعزيز العاطفي الذي يظهر عادة لدى الأشخاص الأصحاء.
الذكريات والخرف
لدراسة الذكريات العاطفية بشكل أعمق، بحثت فرقنا البحثية هذه الظاهرة لدى مرضى الخرف الجبهي الصدغي، وهو نوع نادر من الخرف يصيب عادةً أشخاصًا في الخمسينيات والستينيات من العمر، ولا يوجد له علاج حتى الآن.
يواجه المصابون بهذا المرض صعوبات في التفاعل الاجتماعي، ويجدون صعوبة في فهم مشاعر الآخرين، مما يشير إلى تأثر المناطق الدماغية المسؤولة عن العاطفة.
عرضنا على هؤلاء المرضى وعلى أشخاص أصحاء صورًا تثير استجابات عاطفية (مثل الأفاعي أو حوادث السيارات)، إلى جانب صور غير عاطفية (مثل المنازل أو الأكواب)، ثم اختبرنا قدرتهم على تذكرها.
وأظهرت النتائج أن مرضى الخرف الجبهي الصدغي لم يظهروا أي تعزيز عاطفي في الذاكرة، بينما تذكر الأشخاص الأصحاء عددًا أكبر من الصور المرتبطة بمشاعر قوية. وهذا يدل على أن الذاكرة العاطفية تتأثر في هذا النوع من الخرف.
وعند ربط هذا الضعف بالتغيرات الدماغية، وجدنا أن انكماش القشرة الجبهية الحجاجية هو المسؤول عن ذلك.
تشير نتائجنا إلى معلومات جديدة حول أماكن تكوّن الذكريات العاطفية، حيث أوضحنا أن الأمر لا يقتصر على اللوزة الدماغية فقط، بل تشمل أيضًا القشرة الجبهية الحجاجية، وكلاهما ضروري لتكوين ذكريات قوية.
عالم بلا ألوان
تقدم نتائجنا فهمًا مهمًا لكيفية تجربة مرضى الخرف الجبهي الصدغي للعالم. إذ يبدو أن الأحداث الحياتية العاطفية، مثل حضور زفاف الابنة، تصبح في ذاكرتهم مشابهة للأحداث اليومية العادية، مثل تعبئة الوقود في السيارة.
ومن السهل تخيّل مدى العزلة التي قد يشعر بها هؤلاء الأشخاص عندما تُجرّد ذكرياتهم من محتواها العاطفي، فلا يعود بإمكانهم استحضار التفاصيل الغنية التي تضفيها المشاعر على ذكريات الأصحاء.
إن فهم العلاقة المعقدة بين العاطفة والذاكرة لا يساعدنا فقط على معرفة كيف نتذكر، بل أيضًا لماذا نتذكر بعض الأشياء بشكل أفضل من غيرها.
كما أن تحسين فهم هذه العمليات في الدماغ يمكن أن يقدم دلائل مهمة حول كيفية إضفاء التجارب العاطفية الغنية ألوانًا على ذاكرتنا، وكيف تشكّل إدراكنا للعالم.
