القائمة الرئيسية

أحلام اليقظة: لماذا صُمم عقلك على الشرود الذهني

أحلام اليقظة: لماذا صُمم عقلك على الشرود الذهني
ملخص المقال

يُعيد المقال في موقع the conversation

بقلم ماري آيرش الاعتبار لأحلام اليقظة، مؤكدًا أنها ليست مضيعة للوقت بل قدرة ذهنية أساسية تمنح الإنسان مرونة معرفية واجتماعية، إذ تسهم في حل المشكلات بشكل إبداعي، وتعزيز الإحساس بالهوية عبر استرجاع الماضي وتخيّل المستقبل، إضافة إلى تنمية التعاطف من خلال فهم مشاعر الآخرين. وتوضح الأبحاث أن هذه العمليات تعتمد على “الشبكة الافتراضية” في الدماغ، التي تنشط أثناء التخيل والشرود الذهني، وأن تعطّلها—كما في حالات الخرف—يؤدي إلى عجز في التذكر والتخيل، مما يحصر المريض في الحاضر ويضعف إحساسه بذاته. ويبرز المقال أن فقدان هذه القدرة يكشف أهميتها العميقة في تكوين التجربة الإنسانية، داعيًا إلى تقدير أحلام اليقظة ودعم بيئات محفزة خاصة لمرضى الخرف لتحسين جودة حياتهم.

بقلم: ماري آيرش

عادةً ما يُقال لنا إن أحلام اليقظة مضيعة للوقت والطاقة الذهنية، لكن القدرة على الشرود الذهني تمنحنا قدرًا هائلًا من المرونة في حياتنا اليومية.

إن تكرار أحلام اليقظة لدى الإنسان يشير إلى أنها ليست مجرد أمر طبيعي فحسب، بل جزء أساسي من الحياة. في الواقع، قد تحمل هذه القدرة قيمة تكيفية تطورية تميزنا عن غيرنا من الحيوانات وتمكّننا من أداء وظائفنا بنجاح.

وقد طُرح أن أحلام اليقظة تسهم في حل المشكلات بطريقة إبداعية، مثل لحظة “وجدتها!” التي قد تحدث أثناء الاستحمام. وتشير أبحاث الإبداع إلى أهمية فترات التشتت أثناء أداء المهام الصعبة، إذ تتيح فترة “احتضان” للأفكار الإبداعية.

خلال هذه الفترات، نُرخّي أنماط تفكيرنا لنتمكن من إيجاد حلول عبر خيارات لم نكن قد استكشفناها من قبل.

كما تشير أبحاث أخرى إلى أن إحساسنا بالهوية يتعزز عندما نحلم أحلام اليقظة. فمن خلال استدعاء أحداث من ماضينا باستمرار وتخيّل ما قد يكون عليه مستقبلنا، نبني إحساسًا أقوى بمن نكون عبر الزمن الذاتي.

ومؤخرًا، كشفت الأبحاث عن مناطق في الدماغ تُعد أساسية للخيال، وأظهرت أن القدرة على التفكير خارج اللحظة الراهنة تتعطل في حالات الخرف.

شبكة أحلام اليقظة

الدماغ لا يكون في حالة راحة حقيقية أبدًا. فقد أظهرت دراسات تصوير الدماغ باستمرار أنه عندما نحلم أحلام اليقظة ونتخيل سيناريوهات بديلة، تنشط شبكة معقدة في الدماغ.

يُلاحظ نشاط هذه “الشبكة الافتراضية” في عدة مناطق رئيسية، منها القشرة الجبهية الأمامية، والفصوص الصدغية الوسطى، ومناطق عميقة داخل القشرة الجدارية.

ومن اللافت أن هذه الشبكة تنشط كلما استرجعنا الماضي أو تخيلنا المستقبل.

تشير هذه النتائج إلى أننا ربما تطورنا لنأخذ في الحسبان وجهات نظر بديلة، وهو ما يمنحنا قدرًا كبيرًا من المرونة في حياتنا اليومية.

فبدلًا من الانخراط الفعلي في سلوكيات معينة، يمكننا اختبار أفعالنا مسبقًا عبر تخيّل نتائجها ذهنيًا، وتجنب أخطاء مكلفة.

كما تنشط هذه الشبكة عندما نحاول تخيّل ما قد يفكر فيه الآخرون أو يشعرون به. وهذه القدرة على فهم وجهات نظر الآخرين تساعدنا على التفاعل بنجاح في العالم الاجتماعي، وتُمكّننا من إظهار التعاطف والتفهم.

حياة بلا خيال

تخيّل الأشياء أمر طبيعي لدى معظمنا، لذلك كثيرًا ما نأخذ هذه القدرة كأمر مُسلَّم به. لكن ماذا لو فقدت رفاهية أحلام اليقظة؟

كيف سيكون الحال إذا بقيت عالقًا في اللحظة الحاضرة، دون القدرة على الرجوع إلى الماضي أو التقدم نحو المستقبل؟

بالنسبة للأشخاص المصابين بالخرف، تضيع القدرة على أحلام اليقظة والتنبؤ بالمستقبل. وقد أظهرت أبحاثي أن تلف البُنى الأساسية في الشبكة الافتراضية للدماغ في حالات الخرف يعوق القدرة على الشرود الذهني.

في دراسة نُشرت مؤخرًا في مجلة Cortex، اختبرنا أنا وزملائي قدرة المصابين بمرض ألزهايمر والخرف الجبهي الصدغي على تذكر أحداث شخصية من العام السابق، وكذلك قدرتهم على تخيّل أحداث قد تقع في العام القادم.

وأظهرت كلتا المجموعتين صعوبات شديدة في تذكر أحداث مهمة من الماضي، وانعكست هذه الصعوبات في عجزهم عن تخيّل أحداث مستقبلية.

ما الذي أظهرته صور الدماغ؟

أجرينا بعد ذلك تحليلات لتصوير الدماغ، ووجدنا أن تلف عقد محددة في شبكة أحلام اليقظة يرتبط بصعوبات في التذكر والتفكير في المستقبل لدى مرضى الخرف.

وقد اختلفت مناطق الدماغ المتأثرة بين المجموعتين.

ففي مرض ألزهايمر، كان التلف في منطقة عميقة داخل الدماغ (في القشرة الجدارية) مرتبطًا بشكل وثيق بضعف القدرة على تذكر الماضي وتخيّل المستقبل، مما يشير إلى أهمية هذه المنطقة لكلا النوعين من التفكير.

أما في الخرف الجبهي الصدغي، فقد ارتبط تلف المناطق الجبهية الوسطى تحديدًا بمشكلات في استرجاع الماضي.

ومن المثير للاهتمام أن تلف مجموعة مختلفة من البُنى في المناطق الجبهية والصدغية، بما في ذلك الحُصين، كان مرتبطًا بصعوبات في التخيل.

ومن الواضح أن عدة مناطق دماغية يجب أن تعمل بشكل متكامل لتمكيننا من استرجاع الماضي وتخيّل المستقبل. وأي ضرر في هذه المناطق الأساسية يؤدي إلى عجز شديد في قدرتنا على تجاوز اللحظة الراهنة.

عالقون في اللحظة

بالنسبة لمرضى الخرف، يظل العالم محصورًا في الحاضر. إذ تتآكل قدرتهم على تذكر الماضي تدريجيًا، ولا يتبقى سوى “جزر” صغيرة من الذكريات.

إن فقدان القدرة على استرجاع الأحداث المهمة من الماضي يجرّدنا من إحساسنا بالهوية، لأننا لا نعود قادرين على استحضار اللحظات التي شكّلتنا.

ورغم أن لدى مرضى الخرف مستقبلًا، فإنه يظل بعيد المنال، لأنهم غير قادرين على تخيّله أو التطلع إليه.

تشير أبحاثنا إلى قضية مهمة في رعاية مرضى الخرف، وهي ضرورة أن تكون بيئتهم المباشرة غنية ومحفزة بما يكفي للحد من مشاعر الملل والاضطراب والاكتئاب.

ومن خلال تصميم البيئة المحيطة بما يتناسب مع كل فرد، يمكننا أن نجعل العيش في الحاضر أكثر متعة، ريثما تستمر الجهود لإيجاد علاج لهذا المرض.

أما بالنسبة لنا نحن، ففي المرة القادمة التي يلومك فيها أحد على الشرود الذهني، قد يكون من المفيد أن تذكّره بمدى تعقيد هذه القدرة وأهميتها في حياتنا اليومية. ففقدان القدرة على الحلم، والتذكر، والتخيّل، يعني فقدان جزء أساسي مما يجعلنا بشرًا مميزين.

المصدر

مقالات ذات صلة