القائمة الرئيسية

نحن بحاجة إلى تعليم إبداعي لتعليم الإبداع

نحن بحاجة إلى تعليم إبداعي لتعليم الإبداع
ملخص المقال

يجادل المقال في موقع the conversation

بقلم بيما دودول بأن الإبداع ليس موهبة فطرية نادرة كما يُشاع، بل مهارة وسلوك يمكن تعلمه، وأن الاعتقاد بعكس ذلك ناتج عن سوء فهم لطبيعة الإبداع ولأساليب التعليم. فالإبداع، وفق الأبحاث في علم النفس وعلوم الأعصاب، هو مجموعة من طرق التفكير القابلة للاكتساب، وغالبًا ما يتشكل في سياقات اجتماعية، وليس حكرًا على “عباقرة” يولدون به. كما أن التعليم التقليدي القائم على التلقين لا يكفي لتنميته، رغم فائدته في نقل المعرفة الأساسية، إذ يتطلب تعليم الإبداع أساليب تفاعلية قائمة على الإلهام والتجريب، يقودها معلمون مبدعون قادرون على تحفيز طلابهم. وبذلك، يصبح الإبداع عملية يمكن تنميتها لدى الجميع عبر بيئة تعليمية داعمة تؤمن بقدرات المتعلمين وتشجعهم على التفكير المختلف وإنتاج أفكار أصيلة ذات قيمة.

بقلم: بيما دودول

ما إذا كان يمكن تعليم الإبداع أم لا لا يزال سؤالًا محل جدل، رغم أنه في الحقيقة لا ينبغي أن يكون كذلك. فالأدلة المتوفرة حول هذا السؤال واضحة وحاسمة. إن الفكرة القائلة بأن الإبداع لا يمكن تعليمه تقوم على سوء فهمين: سوء فهم لطبيعة الإبداع، وسوء فهم لطبيعة التعليم.

لنبدأ أولًا بالإبداع.

كثير منا حين يفكر في الإبداع يظنه سمة شخصية داخلية أو خاصية متأصلة في نوع نادر من الأشخاص. كما يعتقد الكثيرون أن الإبداع أمر يصعب تعريفه. كلا التصورين بعيد عن الصواب.

أما الفكرة الأولى، التي ترى أن الإبداع سمة فطرية نادرة لدى أشخاص استثنائيين، فترجع جذورها إلى مفهوم “العبقري المبدع” الذي ورثناه من التيار الرومانسي. وقد تجسد هذا النموذج الرومانسي في شخصية اللورد بايرون: المتأمل الكئيب، غريب الأطوار، المنعزل، الصعب. ويقودنا هذا التصور إلى الاعتقاد بأن المبدعين ليسوا فقط نادرين، بل يولدون كذلك ولا يُصنعون؛ أي أن الإنسان لا يمكن تعليمه أن يكون مبدعًا، بل هو إما كذلك أو لا.

لكن خلال العقود الماضية، تراكمت أدلة كثيرة لا تنقض هذه الفكرة فحسب، بل تشير إلى عكسها تمامًا.

ما الذي نعرفه عن الإبداع؟

لقد جرى هذا البحث حول الإبداع في الغالب ضمن مجالي علم النفس وعلوم الأعصاب. وتشير الأدلة إلى أن الإبداع سلوك مُكتسب؛ فهو لا يقتصر على أشخاص استثنائيين، وليس نشاطًا فرديًا بالضرورة. بل إن الإبداع غالبًا ما يكون نشاطًا اجتماعيًا، ويُمارس كثيرًا في سياقات جماعية.

كما تُظهر هذه الأبحاث أن الإبداع ليس صفة غامضة أو عصية على التحديد، بل هو مجموعة من الأساليب الذهنية التي تُنتج أفكارًا مبتكرة. وببساطة، الإبداع هو طريقة في التفكير والتصرف تختلف عن الطريقة التي اعتدنا أن نُشجَّع عليها. وقد جمع الباحث الأمريكي كيث سوير وناقش كثيرًا من هذه الأدلة في كتابه تفسير الإبداع: علم الابتكار البشري (2008).

ومع ذلك، لا تزال فكرة الشاعر أو الفنان الذي يولد ليعاني في عزلة من أجل فنه فكرة ثقافية راسخة وقوية.

كيف نتعلم؟

أما سوء الفهم الثاني، المتعلق بالتعليم، فينبع من تجربتنا الشخصية معه. فالنموذج السائد للتعليم الذي مررنا به جميعًا يُعرف غالبًا باسم “التعليم المباشر”، ويرتبط عادةً بالتعلم القائم على التكرار.

في التعليم المباشر، يُقدَّم لنا أساسًا معلومات أو تقنيات يُطلب منا حفظها أو استيعابها. ورغم أن فكرة أن هذا النموذج هو الأمثل بدأت تتراجع، فإنه لا يزال الطريقة التي تعلم بها معظمنا. ولذلك، من الطبيعي أن نتوقع أنه إذا كان الإبداع سيُدرَّس، فسيُدرَّس بهذه الطريقة.

بعض جوانب الإبداع يمكن تعليمها من خلال التعليم المباشر، لكن جوانب أخرى لا يمكن ذلك.

فجزء من تعلم الإبداع يتمثل في اكتساب المعرفة بمجال العمل الذي ننشط فيه. يمكننا تعليم تاريخ الأفكار في الفنون البصرية أو الشعر أو الفيزياء، وإظهار فوائد التفكير المختلف داخل هذه التخصصات. كما يمكننا توضيح أن الابتكار في الفيزياء أو الشعر أو الفن غالبًا ما ينشأ من كسر التقاليد أو تجاوز المسلّمات.

كما أن التعليم المباشر مفيد في إظهار “كيف تُنجز الأشياء”: كيف يمكن استخدام الطلاء لإضفاء ملمس، وكيف تتفاعل الذرات عند تقاربها، وكيف يمكن للمساحة البيضاء في الصفحة أن تمنح القصيدة تنفّسًا.

ومع ذلك، فإن تعليم الإبداع يجب أن يتجاوز التعليم المباشر؛ إذ يحتاج إلى نمط تعليمي تفاعلي، يكون فيه المعلم موجّهًا وداعمًا وملهمًا للطالب. لتعليم الإبداع، نحن بحاجة إلى تعليم إبداعي، وإلى معلمين مبدعين. فلا يمكن أن نتوقع أن نصبح أكثر إبداعًا إذا كان من يعلّمنا غير قادر على إلهامنا وتحفيزنا.

ولهذا فإن أفضل من يعلّم الإبداع هم أولئك الذين يمارسونه فعلًا، سواء في الفنون البصرية أو الكتابة أو حتى الكيمياء.

يجب أن يكون المعلم المبدع خبيرًا في مجاله، وخبيرًا أيضًا في التعليم الإبداعي. وكثيرًا ما نفترض خطأً أن النجاح في مجال ما يؤهل صاحبه للتدريس، وهذا غير صحيح. فالتدريس في حد ذاته عمل إبداعي يتطلب التزامًا حقيقيًا وخبرة.

وقبل كل شيء، يحتاج المعلم—مهما كان المجال—إلى الثقة بطلابه، والإيمان بقدرتهم على التعلم، وعلى اكتساب الإبداع، وعلى التميز في مجالاتهم المختارة.

وكما أشار خبير التربية المرموق السير كين روبنسون، يمكن أن تكون مبدعًا في أي شيء؛ فالإبداع هو ببساطة “عملية إنتاج أفكار أصيلة ذات قيمة”.

وباعتباره عملية، وطريقة في التفكير والتصرف، وليس سمة فطرية، فإن الإبداع شيء يمكننا جميعًا تعلمه وتطبيقه في حياتنا.

المصدر

مقالات ذات صلة