بقلم: ميري كيم
إذا كان بإمكان التكنولوجيا أن تخفف العبء العاطفي عن الوظائف عالية الضغط، فماذا يعني ذلك بالنسبة للعمال البشر؟
في عام 1974، نشر الكاتب الحائز على جائزة بوليتزر Studs Terkel كتابه Working، الذي جمع فيه شهادات شفهية لأمريكيين عن حياتهم المهنية. أجرى مقابلات مع أشخاص من خلفيات متنوعة، من موزعي الصحف إلى سماسرة الأسهم، ومن المعلمين في المدارس الحكومية إلى العاملين في مهن أخرى مختلفة.
بعد أشهر قليلة من بدء مسيرتها المهنية، وجدت إحدى من قابلهم تيركل، وهي مضيفة الطيران تيري ميسون، نفسها تسافر إلى أوروبا وتلتقي بالمشاهير. لكن سرعان ما انكشفت لها حقيقة المهنة الأقل بريقًا. قالت له: كان الشعار الدائم هو أن الراكب دائمًا على حق. وإذا قال أحد الركاب شيئًا جارحًا، كان علينا أن نبتسم ونقول: أتفهم ذلك. حتى عندما يتصرفون بوقاحة أو يقولون أشياء غير لائقة، كان يُتوقع منا أن نبتسم.
بعد خمس سنوات من نشر تلك المقابلة، صاغت عالمة الاجتماع Arlie Russell Hochschild مصطلح “العمل العاطفي” أثناء دراستها لهذه الظاهرة لدى مضيفات الطيران. ووفقًا لتحليلها، كانت المهنة تتطلب من النساء أداء دور اجتماعي محدد يخدم مصلحة الشركة، يتمثل في صورة المرأة اللطيفة الأنيقة التي تقدم خدمة دافئة ومهذبة. لكن خلف هذه الصورة، وجدت أن كثيرًا من المضيفات كنّ يشعرن بالغضب من سوء معاملة الركاب. فالابتسامة الظاهرة كانت غالبًا تخفي قلقًا عميقًا واستياءً وربما أعراض اكتئاب.
في الفترة نفسها تقريبًا، بدأت عالمة النفس Christina Maslach أبحاثها حول الاحتراق الوظيفي، وطورت لاحقًا مقياسًا أصبح معيارًا عالميًا لقياس هذا النوع من الإرهاق المهني. يتضمن هذا المقياس عبارات مثل: أشعر أن طاقتي مستنزفة في نهاية يوم العمل، أصبحت أكثر قسوة في التعامل مع الناس منذ أن بدأت هذا العمل، وأشعر أن العملاء يحمّلونني مسؤولية بعض مشكلاتهم.
بعد أكثر من ثلاثة عقود، ما تزال الوظائف الخدمية تتطلب قدرًا كبيرًا من الصبر والقدرة على التحمّل لمواجهة سيل من شكاوى العملاء، بل وأحيانًا إساءاتهم، مع الحفاظ على الابتسامة. ولا تزال المهن التي تعتمد على العمل العاطفي، أي التحكم في المشاعر أو إخفائها لأجل العمل، تشهد معدلات ترك وظيفي مرتفعة، خاصة في مجالات خدمة العملاء والطيران والطب والتمريض والتعليم والضيافة.
لكن مع تطور الروبوتات وتقنيات الحوسبة، يتوقع بعض الباحثين مستقبلًا يمكن فيه للتكنولوجيا أن تخفف هذا العبء العاطفي المزمن. ويرى هؤلاء أن من حق العاملين في قطاع الخدمات أن يحصلوا على نوع من “الحماية الأمامية” عبر الأنظمة الذكية. ومع ذلك، يطرح هذا التوجه سؤالًا مهمًا: هل يعني ذلك ببساطة استبدال البشر بالكامل؟
من المهم الإشارة إلى أن العمل العاطفي يرتبط في كثير من الأحيان بالنوع الاجتماعي. فقد كان من الطبيعي أن تكون Arlie Russell Hochschild، وهي امرأة، من صاغت هذا المفهوم، وأن يجد اهتمامًا خاصًا في الأوساط النسوية. تشير الإحصاءات إلى أن النساء يشكّلن الغالبية في العديد من الوظائف الخدمية، مثل السكرتارية، والضيافة الجوية، وخدمة العملاء، والعمل في المطاعم والفنادق. وحتى خارج هذه المجالات، غالبًا ما تتحمل النساء العبء الأكبر في إدارة المشاعر داخل بيئة العمل، سواء من خلال التعامل مع العملاء أو القيام بمهام اجتماعية إضافية.
في اقتصاد اليوم القائم على الطلب الفوري، حيث يمكن لتقييمات العملاء ووسائل التواصل الاجتماعي أن تؤثر بشكل مباشر على سمعة الشركات، أصبح هذا النوع من العمل أكثر أهمية من أي وقت مضى. فمراجعة سلبية واحدة قد تضر بسمعة مطعم، وسائق في تطبيقات النقل قد يفقد عمله إذا انخفض تقييمه، وحتى في المستشفيات، يمكن لتقييمات المرضى أن تؤثر على التمويل.
حتى الآن، تقع مسؤولية التعامل مع هذا الضغط العاطفي بشكل كبير على عاتق الموظف نفسه. ومن بين الأساليب المعروفة ما يسمى “التمثيل العميق”، أي محاولة تغيير المشاعر الداخلية لتتوافق مع التعبير الخارجي. في كتابها The Managed Heart، تميّز هوشيلد بين هذا الأسلوب و”التمثيل السطحي”، حيث يقتصر الأمر على إظهار مشاعر لا تعكس الحقيقة الداخلية.
في التمثيل السطحي، قد يبتسم الموظف رغم شعوره بالغضب. أما في التمثيل العميق، فيحاول تهدئة نفسه فعليًا، ربما عبر التنفس العميق أو إعادة تفسير الموقف، مثل افتراض أن العميل يتصرف بهذه الطريقة بسبب خوف أو ضغط. وتشير الدراسات إلى أن هذا الأسلوب يقلل من التوتر ويعزز الشعور بالإنجاز، مقارنة بالتمثيل السطحي الذي يرتبط بالإرهاق والاكتئاب.
ومع ذلك، فإن هذه الأساليب تضع عبء التكيف بالكامل على الموظف، بينما لا يُطلب من العملاء تعديل سلوكهم أو تطوير وعيهم العاطفي. وعندما يصل الأمر إلى الإساءة الصريحة، فإن أي قدر من التحكم الداخلي لا يكون كافيًا.
هنا يبرز دور التكنولوجيا كوسيط محتمل. في المستقبل، قد تؤدي الروبوتات أدوارًا داعمة في مجالات مثل الرعاية الصحية والتعليم وخدمة العملاء. وقد أظهرت بعض الدراسات أن البشر قادرون على التفاعل عاطفيًا مع الآلات إذا كانت استجاباتها مناسبة. ففي إحدى التجارب، تفاعل المشاركون مع روبوت بسيط أبدى إشارات تعاطف، وأفادوا بشعورهم بالراحة والانفتاح.
كما تشير أبحاث أخرى إلى أن البشر يميلون إلى إضفاء صفات إنسانية على الأشياء، ما يزيد من احتمال تقبلهم للروبوتات في أدوار تتطلب تفاعلًا عاطفيًا.
ومن الأمثلة على ذلك روبوت بشري الشكل يُدعى “Pepper”، صُمم للتعرف على مشاعر البشر والتفاعل معها، ويُستخدم في المتاجر والمستشفيات. ورغم انتشاره، لا تزال قدراته محدودة، إذ تبدو استجاباته أحيانًا نمطية وغير طبيعية.
وهناك أيضًا “إيلي”، وهي شخصية افتراضية طُورت باستخدام تقنيات متقدمة لتحليل الصوت وتعبيرات الوجه. تستطيع هذه الأنظمة التفاعل مع البشر بشكل فوري، بل وتشجعهم أحيانًا على الإفصاح عن معلومات شخصية أكثر مما يفعلون مع إنسان حقيقي.
تشير هذه التطورات إلى أن الروبوتات قد تكون قادرة يومًا ما على أداء جزء من العمل العاطفي دون أن تعاني من الإرهاق أو الألم. لكن هذا السيناريو يطرح تحديات كبيرة، أبرزها احتمال فقدان الوظائف، خاصة في القطاعات التي توظف عددًا كبيرًا من النساء أو ذوي المهارات المحدودة.
كما أن استبدال البشر بالكامل قد يحول مسألة التكنولوجيا إلى قضية اجتماعية وسياسية. لذلك، يقترح بعض الباحثين البحث عن حلول وسط، تجمع بين قدرات الإنسان والتكنولوجيا بدلًا من استبدال أحدهما بالآخر.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن استخدام التكنولوجيا لتخفيف العبء عن البشر دون أن نفقد البعد الإنساني في العمل؟ ربما يكمن الجواب في إيجاد توازن ذكي، حيث تدعم الآلات الإنسان، بدلًا من أن تحل محله بالكامل.
