بقلم: فرانسوا ليفيك
إليك لغزًا صغيرًا: هناك صناعة يهيمن عليها عملاقان أوروبيان، أحدهما فرنسي والآخر إيطالي، وسوق عالمي يقترب حجمه من مئة مليار دولار، منتج يحتاجه اثنان من كل ثلاثة أشخاص على كوكب الأرض، كان في الماضي مصدر إحراج للعديد من الناس، أما اليوم فأصبح رمزًا للموضة والأناقة. التنوع في هذه المنتجات واسع للغاية إلى درجة أن نادرًا ما يشتري شخصان الشيء نفسه، وحتى نجم الروك Bruce Springsteen يرتديها. فما هي؟ إنها النظارات، ولكن السؤال الأكثر إثارة للفضول هو لماذا تصل أسعارها إلى مستويات مرتفعة جدًا حول العالم، وخصوصًا في فرنسا، والإجابة على ذلك أكثر تعقيدًا مما يبدو.
تنوع يبدو كبيرًا لكنه خداع بصري
إذا كنت تعاني من قصر النظر أو طول النظر، فبالتأكيد سبق أن زرت محل نظارات. ستلاحظ هناك تنوعًا هائلًا في الإطارات، بعضها كلاسيكي والبعض الآخر جريء، مصنوعة من مواد مختلفة مثل الأسيتات أو التيتانيوم، بأشكال دائرية أو بيضاوية أو تشبه جناحي الفراشة، مزينة بأذرع تحمل علامات تجارية أو تصميمات مزخرفة. أما الألوان فتتراوح بين الأسود غير اللامع، أو الألوان الباستيلية الهادئة، أو حتى الألوان الجريئة المزدوجة.
وبالنسبة للعدسات، الأمور أبسط نسبيًا لأن الوصفة الطبية تحدد درجة التصحيح، رغم وجود خيارات إضافية لمقاومة الوهج أو الضباب أو الأشعة فوق البنفسجية أو الأوساخ، إلى جانب العدسات الرقيقة أو المتغيرة اللون تلقائيًا. باختصار، النظارات منتج شديد الخصوصية مع خيارات واسعة لتناسب كل فرد.
لكن عند التدقيق أكثر، نجد الحقيقة مختلفة. فقد دفعت الموضة في السنوات الأخيرة المستهلكين إلى اختيار إطارات كبيرة تخفي جزءًا من الوجه، ويفضل أن تكون سوداء وتحمل علامة تجارية فاخرة.
والأهم أن هذا التنوع الظاهري يخفي حقيقة مغايرة، وهي أن السوق العالمي يهيمن عليه شركتان فقط. حوالي نصف مليار إطار يُستخدم حول العالم تنتجه شركة Luxottica الإيطالية، التي تبيع حوالي مئة مليون وحدة سنويًا. فإذا اشتريت نظارة من علامات مثل Ray-Ban أو Oakley أو Persol أو Alain Mikli فأنت في الحقيقة تشتري منتجًا من لوكسوتيكا. وينطبق نفس الأمر على علامات فاخرة مثل Prada وChanel وBurberry وRalph Lauren، لكنها تُنتج تحت ترخيص وليست باسم الشركة مباشرة.
وفي الولايات المتحدة، ربما زرت أحد متاجر سلسلة Sunglass Hut أو Pearle Vision التابعة للشركة، أو كان لديك برنامج تأمين بصري من شركة EyeMed، وهي إحدى شركات لوكسوتيكا. وقد كشف فيديو ساخر عن النفوذ الكبير لهذه الشركة في السوق الأمريكي.
بين لوكسوتيكا وإسيلور
لكن لوكسوتيكا ليست مثل جوجل، فهي تسيطر على نحو نصف سوق الإطارات والنظارات الشمسية في الولايات المتحدة، و25٪ في فرنسا، وحوالي 10٪ من السوق العالمي. تأسست الشركة عام 1961 على يد ليوناردو ديل فيكيو، الذي لا يزال على رأس إدارتها، وأسهمت في تحويل النظارات إلى إكسسوارات موضة. ولقد ولت أيام النظر إلى مرتدي النظارات على أنهم ""مهووسون أو غريبون""، وأصبح شعارها ""للنظر بقدر ما للظهور"" كما أشار أحد أخصائيي البصريات في حي سان جيرمان بباريس.
أما الشركة الفرنسية إسيلور، فربما يكون اسمها أكثر شهرة لدى الفرنسيين، خاصة بعد عدسات Varilux متعددة البؤر التي اخترعت قبل نحو نصف قرن. تركز إسيلور أساسًا على تصنيع العدسات التصحيحية، وتسيطر على ثلاثة أرباع هذا السوق في فرنسا وحوالي 40٪ عالميًا، محققة ذلك بفضل قدراتها الاستثنائية على الابتكار واستراتيجيتها في الاستحواذ على شركات أخرى. وقد دخلت الشركة جزئيًا في مجال الإطارات والنظارات الشمسية، لكنها تتنافس مع لوكسوتيكا بشكل محدود، بينما انتشرت شائعات طويلة حول احتمالية اندماجهما، حتى أعلن الاثنان رسميًا عن خطط الاندماج في 16 يناير.
هل تزيد المنافسة الخيارات أم تقللها؟
الآن لننظر إلى مرحلة البيع للمستهلك، حيث تختلف المنافسة كثيرًا عن السوق العالمي، لأنها محلية بطبيعتها. يسعى التجار إلى عرض أكبر عدد ممكن من الإطارات لأن المستهلك غالبًا لا يعرف ما يناسبه أو كم يكلف، كما تختلف أذواق الناس بشكل كبير.
من مصلحة محل البصريات عرض أكبر مجموعة من النماذج لزيادة فرصة البيع، لكن المساحة والتخزين مكلفان. إذا كان المتجر يحتكر السوق في المدينة، فقد يتوقف عن زيادة التنوع عندما تصبح تكلفة إضافة نموذج جديد أعلى من العائد المتوقع.
لكن ماذا يحدث إذا فتح منافس جديد بجواره؟ تتداخل ثلاثة تأثيرات: أولًا يخسر جزءًا من زبائنه، ما قد يدفعه لتقليل عدد النماذج. ثانيًا يصبح الزبائن أكثر انتقائية لأن لديهم خيارًا قريبًا آخر، ما يدفع المتجر لزيادة تشكيلته. ثالثًا، وجود أكثر من متجر يجذب مزيدًا من المتسوقين، ويزيد العرض الإجمالي ويخفض الأسعار، ما يحفز كل متجر على عرض المزيد من الخيارات.
وتعتمد النتيجة النهائية على ظروف السوق المحلية، وقد أظهرت دراسة أمريكية أن عدد النماذج المعروضة يزداد مع المنافسة حتى ثلاثة منافسين، ثم يبدأ في التراجع إذا زاد العدد عن ذلك.
هل تؤثر الإعلانات في الأسعار؟
في العديد من الدول تخضع تجارة النظارات لقوانين تنظيمية مختلفة. في الولايات المتحدة تختلف القوانين من ولاية لأخرى، ما وفر فرصة لإجراء تجارب طبيعية لقياس أثر القوانين على الأسعار. ففي سبعينيات القرن الماضي، منعت بعض الولايات الإعلانات تمامًا، بينما منعت أخرى ذكر الأسعار، وسمحت بعض الولايات بالإعلانات دون قيود. أظهرت النتائج أن أسعار النظارات كانت أعلى بنسبة 25٪ في الولايات التي حظرت الإعلانات مقارنة بالولايات التي سمحت بها، وكانت جودة الخدمة مماثلة تقريبًا، ما جعل الأسعار أقل في الولايات المسموح فيها بالإعلانات.
لكن يجب الانتباه، فالإعلانات لا تفيد المستهلك دائمًا. إذ يمكن أن يكون لها تأثيران متضادان، فهي تزوده بالمعلومات وتزيد المنافسة مما يخفض الأسعار، لكنها في الوقت نفسه تغيّر تفضيلاته من خلال تعزيز تميّز العلامات التجارية، ما يزيد من قوة البائعين ويرفع الأسعار. لذلك تختلف النتائج بحسب المنتج والسوق والزمن، وقد لوحظ أن التأثير الأول كان أقوى من الثاني في الولايات المتحدة بين السبعينيات والتسعينيات.
عالم بصري يتغير باستمرار
ربما تقرأ هذا المقال على شاشة رقمية، ومن المثير أن تعرف أن المهندسين يعملون على حماية المستخدمين من الضوء الأزرق المنبعث من الأجهزة. إذا كنت من محبي الطابع العصري، يمكنك اقتناء نظارات Gunnars بعدسات كهرمانية عبر الإنترنت أو من متاجر مختارة، إذ من المتوقع أن تصبح صيحة رائجة. أما إذا كنت غير مهتم بالعلامات التجارية والإعلانات، فهناك دائمًا بدائل مثل العدسات اللاصقة أو جراحة تصحيح البصر. عالم واسع من الخيارات، رائع رغم ارتفاع الأسعار.
