بقلم: بروس ماكيرن
يستخدم معظمنا يوميًا منتجات صُنعت في الصين، ويدرك تنامي قوتها الاقتصادية بوصفها مصنعًا للعالم. لكن طموح الصين لا يتوقف عند هذا الحد، فهي تسعى إلى أن تصبح دولة متقدمة بحلول منتصف هذا القرن، ويُعد التركيز المكثف على الابتكار ركيزة أساسية لتحقيق هذا الهدف.
وخلال بضعة عقود فقط، تحولت الشركات الصينية من مجرد مقلدة إلى جهات مبتكرة تمتلك الخيال والفعالية.
وفي إطار بحث تناول هذا التحول، جرى تحديد ثلاث مراحل رئيسية في تطور الشركات الصينية:
الانتقال من التقليد إلى التكيّف مع الغرض
الانتقال من التبعية إلى بلوغ المعايير العالمية
الانتقال من البحث عن الموارد إلى البحث عن المعرفة
واليوم، أصبحت الشركات الصينية تشكّل تحديًا حقيقيًا للشركات متعددة الجنسيات الراسخة، مع دخولها أسواق الدول المتقدمة وسعيها لأن تصبح جزءًا من الداخل لا مجرد منافس خارجي.
منذ أن أطلق الزعيم الصيني الأسبق دنغ شياو بينغ إصلاحاته الاقتصادية الموجهة نحو السوق في أواخر السبعينيات، كان المحركان الأساسيان لهذا التحول هما المستهلك والثقافة. فقد شهدت الصين طلبًا متزايدًا بشدة على المنتجات، مدفوعًا بتطلعات سكانها الكُثر والمتنوعين إلى حياة أفضل. هذا الطلب حفّز الشركات على تطوير منتجات ميسورة التكلفة تلبي هذه الاحتياجات. وفي الوقت ذاته، ساعدت الحكومة، برؤيتها البعيدة وطموحها نحو الاستقلال والتنمية الاقتصادية، على ترسيخ ثقافة ريادة الأعمال داخل قطاع الأعمال.
كما عملت الحكومة الصينية على بناء منظومة ابتكار واسعة في أنحاء البلاد، تضم نحو مئة متنزه علمي وتكنولوجي، إلى جانب الجامعات ومؤسسات البحث الحكومية، لتقديم الدعم للمشروعات الجديدة. وقد بلغ حجم استثمارات الحكومة والشركات الصينية في البحث والتطوير نحو 190 مليار دولار في عام 2013، وهو ما يعادل قرابة 40% من حجم الاستثمار السنوي في هذا المجال في الولايات المتحدة.
ويمثل الإنفاق على البحث والتطوير في الصين ما يزيد قليلًا على 2% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهي نسبة تفوق نظيرتها في أوروبا الغربية. ويواكب هذا التركيز الحكومي على التطور التكنولوجي روح ريادية عالية لدى رواد الأعمال الصينيين.
من التقليد إلى التكيّف مع الغرض
في المرحلة الأولى، بدأت الشركات الصينية بتقليد المنتجات والعمليات الخاصة بالشركات الغربية، أو بإنتاج مكونات تدخل في سلاسل التوريد الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات. وقد فرضت هذه الشراكات على الموردين الصينيين الالتزام بمعايير جودة عالية مع الحفاظ على تكاليف منخفضة.
ومع أن الطلب المحلي كان في البداية يتركز على المنتجات الرخيصة جدًا، سرعان ما تعلم المنتجون الصينيون تطوير منتجات تلبي الحد المطلوب من الجودة، بحيث تجمع بين الكفاءة والتكلفة المنخفضة. ومن الأمثلة على ذلك ابتكار مكوّن يُعرف باسم “Apple Peel”، يمكن تركيبه على جهاز iPod Touch لتحويله إلى هاتف محمول يشبه iPhone.
وعلى عكس ضعف المنافسة في القطاعات المملوكة للدولة، كانت الشركات الخاصة تعمل في بيئات أكثر انفتاحًا وتنافسية. وقد مكّنها فهمها العميق للمستهلك المحلي من منافسة الشركات العالمية بفعالية داخل السوق الصينية مع مرور الوقت.
ورغم افتقار هذه الشركات في البداية إلى قدرات متقدمة في البحث والتطوير مقارنة بالشركات الأجنبية، فإنها استفادت من شبكة التكنولوجيا الواسعة ومنظومة الابتكار التي دعمتها الحكومة. كما أن خبرتها في تلبية احتياجات العملاء والتعامل مع المنافسة الشديدة ساعدتها على التوسع في أسواق جديدة وتطوير منتجات أكثر تقدمًا.
ومن الأمثلة على ذلك شركة Joyoung المتخصصة في الأجهزة المنزلية، والتي بدأت بابتكار جهاز لصنع حليب الصويا، قبل أن تقلده شركات أخرى عديدة، بما فيها شركات أجنبية. واستطاعت الشركة البناء على هذا النجاح لتصبح منتجًا كبيرًا ومتنوعًا للأجهزة المنزلية الصغيرة.
وقد قادت هذه التجربة التنافسية في الأسواق المحلية سريعة النمو الشركات الصينية إلى المرحلة الثانية من تطورها.
من التبعية إلى بلوغ المعايير العالمية
في هذه المرحلة، وضعت الشركات الصينية لنفسها هدفًا طموحًا يتمثل في تحقيق المعايير العالمية، خاصة تلك التي تنشط في أسواق التصدير، مثل شركة Haier للأجهزة المنزلية.
منذ بدايتها، ركزت Haier على الابتكار، وأصبحت اليوم من أكبر الشركات في قطاع الأجهزة المنزلية من حيث الإيرادات. ومن أشهر ابتكاراتها غسالة قادرة على غسل البطاطس إلى جانب الملابس، استجابة لاحتياجات المزارعين.
وقد وصلت العديد من الشركات الصينية إلى مستويات جودة عالمية، لكن عددًا قليلًا منها فقط يمتلك علامات تجارية قوية معروفة خارج الصين. وهذا ما مهّد للانتقال إلى المرحلة الثالثة.
من البحث عن الموارد إلى البحث عن المعرفة
في هذه المرحلة، بدأت الشركات الصينية، مستفيدة من خبراتها في السوق المحلية ومن الموارد المالية التي حققتها، في التوسع خارج حدود الصين.
وعلى خلاف المراحل السابقة التي ركزت على الاستثمار في الموارد الطبيعية مثل النفط، أصبح التركيز الآن منصبًا على توظيف الابتكارات المحلية وتطبيقها في أسواق المستهلكين والصناعات في الدول الغربية.
تسعى الشركات الصينية إلى الحصول على علامات تجارية، والوصول إلى الأسواق، واكتساب تقنيات قد لا تكون متاحة لديها محليًا. وغالبًا ما يتم دخول الأسواق الأجنبية من خلال الاستحواذ على شركات قائمة، وكانت الشركات الأوروبية، خصوصًا الألمانية المتوسطة الحجم، من أبرز الأهداف.
كما أنشأت بعض الشركات مراكز للبحث والتطوير في الولايات المتحدة وأوروبا، خاصة في بيئات الابتكار مثل وادي السيليكون. ومن أبرز الأمثلة شركة Huawei في مجال معدات الاتصالات والهواتف الذكية.
وخلال سنوات من التوسع الدولي، طورت Huawei شبكة عالمية تضم 16 مركزًا للبحث والتطوير و36 مركزًا مشتركًا للابتكار مع العملاء. وتُصنّف Huawei إلى جانب شركة ZTE باستمرار ضمن أكبر عشر جهات تسجيلًا لبراءات الاختراع سنويًا ضمن نظام براءات الاختراع الدولي.
دروس صينية في الإدارة
لم يقتصر تميز الشركات الصينية على الابتكار التقني، بل شمل أيضًا ممارسات إدارية تختلف في بعض جوانبها عما هو شائع في الغرب. فقد تبنّت هذه الشركات مجموعة من الأساليب، من بينها الفهم العميق للعملاء، وسرعة اتخاذ القرار، والتجريب السريع، والتعلم من الأخطاء، والاستعداد لتخصيص موارد كبيرة لدعم الابتكار.
ورغم أن هذه الممارسات ليست جديدة بحد ذاتها، فإن تطبيقها المكثف والمتسق منح الشركات الصينية ميزة تنافسية، في بيئة لم تتمكن فيها الشركات الأجنبية من تبنيها بنفس الفعالية.
ولدى الشركات العالمية الكثير مما يمكن أن تتعلمه من التجربة الصينية، خاصة مع تحول الصين إلى سوق محوري عالميًا. إذ يمكنها تطوير قدرات أهملتها سابقًا، مثل الجرأة في التجريب، وسرعة التنفيذ، وابتكار فئات جديدة من المنتجات، والتركيز على القيمة الرشيقة، وبناء فرق عمل متنوعة وقيادات عالمية.
إن موجة تنافسية كبرى قادمة من الصين نحو العالم المتقدم، وأفضل وسيلة أمام الشركات متعددة الجنسيات للاستعداد لها هي الانخراط المباشر في منظومة الابتكار الصينية.
