القائمة الرئيسية

لماذا نميل إلى الاعتقاد بأننا أكثر ثراءً مما نحن عليه

لماذا نميل إلى الاعتقاد بأننا أكثر ثراءً مما نحن عليه
ملخص المقال

في كل يوم، يتخذ مليارات البشر عددًا هائلًا من القرارات التي تحمل في طياتها آثارًا اقتصادية.

ملخص: يوضح مقال في موقع the conversation بقلم ألبرتو كارداتشي أن قراراتنا المالية اليومية، رغم كثرتها وأثرها الكبير، لا تُتخذ دائمًا بعقلانية كما يفترض الاقتصاد التقليدي، بل تتأثر بما يُعرف بالتحيزات المعرفية التي تخلق فجوة بين ما نخطط له وما نفعله فعليًا، مثل ضعف الادخار أو الإفراط في الاقتراض. ويبرز بشكل خاص كيف يسيء الأفراد تقدير ثروتهم، إذ لا يعتمد شعورهم بالثراء على صافي الأصول فقط، بل على طريقة توزيعها بين أصول وديون، مما قد يجعلهم يشعرون بثراء زائف يدفعهم إلى زيادة الإنفاق والاقتراض بثقة مبالغ فيها. هذا الخلل في الإدراك لا يقتصر أثره على الأفراد، بل يمتد ليؤثر في الاستقرار المالي والاقتصادي ككل، وقد يسهم في تضخم الديون وحدوث أزمات اقتصادية، كما حدث قبيل الأزمة المالية العالمية عام 2007.

بقلم: ألبرتو كارداتشي

في كل يوم، يتخذ مليارات البشر عددًا هائلًا من القرارات التي تحمل في طياتها آثارًا اقتصادية. شراء الملابس، تناول العشاء في مطعم، استئجار منزل، كلها خيارات يومية تحدد كيف ننفق أموالنا أو ندخرها. وهناك قرارات أخرى تزيد من حجم الديون التي نتحملها، مثل استخدام بطاقة الائتمان لشراء كتاب، أو الحصول على قرض لاقتناء سيارة جديدة.

لكن هل يتصرف الناس دائمًا بعقلانية كاملة عند اتخاذ هذه القرارات؟ هل يوازنون بين المنافع والتكاليف، ويستفيدون من كل المعلومات المتاحة، ويلتزمون بأهدافهم بعيدة المدى؟ تشير أبحاث الاقتصاد السلوكي إلى أن الواقع مختلف عن ذلك.

فكثير من الناس، رغم إدراكهم لأهمية الادخار، لا يلتزمون بما يخططون له. هذه الفجوة بين ما ننوي فعله وما نقوم به فعليًا ليست استثناءً، بل نمطًا متكررًا درسه علماء النفس والسلوك منذ زمن. وغالبًا ما تعود هذه الفجوة إلى ما يُعرف بالتحيزات المعرفية، وهي أنماط من الأخطاء في التفكير تؤثر في قراراتنا وأحكامنا دون أن نشعر.

تساعدنا هذه التحيزات على فهم سبب وقوعنا في مشكلات مثل ضعف ضبط النفس، وقصر النظر في تقييم العواقب، وتغيّر تفضيلاتنا مع مرور الوقت، إلى جانب تناقضات أخرى في سلوكنا الاقتصادي.

من الأمثلة الواضحة على ذلك ميل الناس إلى التقليل من التكلفة الحقيقية للدين، مما يدفعهم إلى الاقتراض بما يفوق قدرتهم على السداد. وهناك مثال آخر يتمثل في الطريقة التي ندرك بها تكلفة الأشياء. فالتكلفة التي نشعر بها ليست ثابتة، بل تتغير تبعًا لما نقارنها به.

إذا كان ثمن قميص 25 يورو، فإن الشخص يكون أكثر استعدادًا لشرائه إذا قارن هذا المبلغ بما لديه في حسابه البنكي، وليكن 23 ألف يورو، مقارنةً بما يحمله في محفظته، مثل 100 يورو. في الحالة الأولى يبدو السعر ضئيلًا، بينما في الثانية يبدو أكثر أهمية، رغم أن القيمة الفعلية لم تتغير.

انطلاقًا من هذه الفكرة، بدأ مشروع بحثي جديد يدرس العلاقة بين التحيزات المعرفية وإدراك الثروة وتأثير ذلك في الاستقرار الاقتصادي. يقوم هذا المشروع على فرضية بسيطة لكنها عميقة الأثر، وهي أن بعض الناس ينفقون أكثر مما ينبغي لأن تصورهم لثروتهم غير دقيق.

الفكرة الأساسية أن شعور الإنسان بثرائه لا يعتمد فقط على صافي ما يملكه، بل يتأثر أيضًا بطريقة تكوين هذه الثروة، خاصة نسبة الدين إلى الأصول. فقد يشعر الشخص بأنه أكثر ثراءً حتى لو لم يتغير صافي ثروته، فقط لأن هيكلها تغير. وهذا الشعور يدفعه نفسيًا إلى زيادة الإنفاق والاقتراض.

وقد أظهرت تجارب أولية أن نسبة كبيرة من الناس تسيء تقدير حجم ثروتها، وأن هذا التقدير يتغير تبعًا لكيفية توزيع الأصول والديون، حتى عندما تبقى القيمة الإجمالية ثابتة.

هذا الخلل في إدراك الثروة يمكن أن يفسر كثيرًا من السلوكيات التي تبدو غير عقلانية من منظور الاقتصاد التقليدي. فحين يعتقد الفرد أنه في وضع مالي أفضل مما هو عليه فعليًا، فإنه يميل إلى الإنفاق أكثر، والاقتراض بشكل أكبر، ويبالغ في ثقته بقدرته على سداد ديونه مستقبلًا.

ولا تقتصر آثار هذا السلوك على الفرد وحده، بل تمتد إلى النظام المالي بأكمله. فعندما يعجز المقترضون عن الوفاء بالتزاماتهم، تتراكم القروض المتعثرة لدى المؤسسات المالية، مما يزيد من هشاشة النظام الائتماني.

وعلى مستوى أوسع، يمكن أن تسهم هذه الظاهرة في تفسير بعض التقلبات الاقتصادية الكبرى. فإذا شعر عدد كبير من الناس بأنهم أكثر ثراءً مما هم عليه في الحقيقة، فإن الاستهلاك الكلي يرتفع، ويزداد الاقتراض، مدفوعًا بثقة مبالغ فيها في القدرة على السداد.

وقد شهد العالم مثالًا واضحًا على ذلك قبيل الأزمة المالية عام 2007، حين ارتفعت ديون الأسر بشكل حاد وتجاوزت حجم الناتج المحلي الإجمالي. خلال تلك الفترة، تحوّل المجتمع بسرعة من الاعتماد على الدين كمحرّك للنمو إلى الوقوع تحت عبئه.

ورغم أن الأخطاء السلوكية لا تفسر وحدها كل ما حدث، فإن فهم دور التصورات الخاطئة للثروة يظل أمرًا بالغ الأهمية، لما قد يترتب عليه من تكاليف جسيمة، لا على مستوى الأفراد فحسب، بل على مستوى الاقتصاد ككل.

المصدر

مقالات ذات صلة