ملخص: يتناول مقال the conversation بقلم قسطنطين بانيغيريس كيف تعامل البشر عبر التاريخ مع الإحباط الناتج عن الفوضى السياسية والاجتماعية، مستعرضًا أمثلة من اليونان وروما القديمة. يوضح المقال أن بعض الفلاسفة والسياسيين، مثل هيراقليطس وكوينتوس سيرتورياس، فضلوا الانسحاب من الحياة العامة أو البحث عن ملاذ هادئ بعيدًا عن الصراعات، بينما اختار آخرون مواجهة المشاكل مباشرة أو إيجاد حلول مبتكرة، كما يصور الكاتب المسرحي أريستوفانيس في أعماله. ويشير المقال إلى أن هذه الخيارات – الانسحاب، التحمل، أو المواجهة بطريقة مرحة – لا تزال قائمة حتى اليوم، مع التأكيد على أن الضحك قد يكون وسيلة عملية للحفاظ على السعادة وسط الإحباط.
بقلم: قسطنطين بانيغيريس
إذا شعرت بالإحباط من أوضاع العالم الحالية، فلا يهم موقفك السياسي، فأنت تشعر بشيء شعرت به البشرية منذ آلاف السنين.
ربما تشعر بالعجز، أو وكأنك مثل شخصية مسرحية الكاتب الروماني تيرينس الإخوة التي كتبها عام 160 قبل الميلاد، حيث تصرخ الشخصية قائلة: «نحن محاصرون بأشياء كثيرة لا مهرب منها: العنف والفقر والظلم والوحدة والعار. يا له من عصر نعيشه!»
فماذا يمكنك أن تفعل؟ لقد كان لدى القدماء عدة أفكار حول كيفية التصرف في مواجهة هذا الإحباط.
أحد الخيارات الشائعة كان الانسحاب من الحياة العامة، محاولة الابتعاد عن العالم وتجنب الانخراط في المجتمع. أما خيار آخر، أقل شيوعًا، فكان مواجهة المشاكل بنفسك، محاولة ترتيب الأمور في العالم بمفردك، كشخص يواجه جميع مصاعبه بمفرده.
هيراقليطس من أفسس يعتبر أحد أبرز الفلاسفة الإغريق، وكان معروفًا بخيبة أمله من شؤون العالم. كان استياؤه الأساسي من السياسة، حيث كان يكره وقاحة وغباء السياسيين والقوانين التي يصنعونها. كما أنه كان متعبًا من الناس الذين لم يدافعوا عن قوانينهم ودساتيرهم، وقال: «على الشعب أن يقاتل من أجل القانون كما يقاتل من أجل أسوار المدينة».
عندما نُفي صديقه هيرمودوروس من أفسس، أدان هيراقليطس المدينة لرفعها رجالًا سُذّجًا وتدميرها للرجال الصالحين. وفقًا للمؤرخ ديونيسيوس لايرتيوس، قال هيراقليطس لقادة المدينة إنهم بلا قيمة إلى درجة أنهم يجب أن ينهوا حياتهم بأنفسهم: «سيكون من الحكمة لكل رجل بالغ من أهل أفسس إنهاء حياته وترك المدينة للفتيان عديمي اللحية، لأنهم طردوا هيرمودوروس، أصدق الرجال بينهم، قائلين: لن يكون بيننا من هو الأفضل، وإذا وُجد فليذهب إلى مكان آخر.»
وعندما سأل الناس لماذا يتجاهل رجل ذكي مثل هيراقليطس السياسة ويفضل اللعب مع الأطفال، أجاب على ما يبدو بأن الحياة المدنية لم تعد تستحق وقت الرجل الذكي: «أأنت مندهش؟ أليس من الأفضل القيام بهذا على المشاركة في حياتك المدنية؟»
في النهاية، لم يعد هيراقليطس يحتمل الأمر. أصبح مبغضًا للبشرية وتفرغ للعيش في الجبال، متغذيًا على الأعشاب، ولكن عندما أصيب بالوذمة، عاد إلى المدينة وطرح على الأطباء سؤالًا عما إذا كانوا قادرين على خلق جفاف بعد المطر الغزير. ثم حاول علاج نفسه بالاختباء في حظيرة أبقار ودفن نفسه في السماد. عاش هيراقليطس بعيدًا عن المجتمع، وتدهورت صحته بسرعة، وتوفي عن عمر يناهز الستين عامًا.
كذلك، كان لدى السياسي الروماني كوينتوس سيرتورياس حلم بالهرب من ضغوط السياسة. لقد برز سيرتورياس بمهاراته الخطابية وانتصاراته العسكرية كقائد ضد القبائل في بلاد الغال. أثناء الاضطرابات السياسية في روما في التسعينيات قبل الميلاد، أُرسل لقيادة المقاطعات الإسبانية، وهناك أصبح عدوًا للفصيل الحاكم وأسس حكمًا مستقلًا على إسبانيا لمدة ثماني سنوات. أرسل أعداؤه جيوشًا لهزيمته، لكنهم فشلوا، فأسس مجلسه الخاص المكون من ثلاثمائة عضو من الرومان وأعضاء القبائل الإسبانية، وعزز شعبيته بالاعتماد على المعتقدات المحلية، وكان يرافقه دائمًا ظبي أبيض رمز القوة الإلهية.
بعد سنوات من التهديدات والمشقات، شعر سيرتورياس بالضجر. وفقًا للمؤرخ اليوناني بلوتارخ، التقى سيرتورياس بعض البحارة الذين عادوا مؤخرًا من جزر الأطلسي، وتحدثوا عن أرض قبالة ساحل إفريقيا ذات مناخ دافئ وطعام وماء وفير، وبعيدة عن كل الاضطرابات السياسية والعسكرية. أثرت كلمات البحارة فيه بشدة، وشعر برغبة قوية في العيش في هذه الجزر والتمتع بالهدوء، بعيدًا عن الطغيان والحروب التي لا تنتهي. لم يعرف أحد على وجه اليقين أي الجزر كانوا يقصدون، لكن الاحتمالات تشمل ماديرا وبورتو سانتو وجزر الكناري. للأسف، لم يتمكن سيرتورياس من العثور على ملاذه، وعاش سنوات طويلة من الصراعات حتى اغتيل عام 72 قبل الميلاد.
أما فيما يتعلق بالسعادة، فقد أدرك كثير من الناس في اليونان وروما القديمة أن السعادة يمكن أن تأتي من الابتعاد عن شؤون العالم. نصح الفيلسوف إبكيويروس الناس بالسعي للعيش في الخفاء وتجنب الانخراط في الحياة العامة، وكان قوله الشهير: «عش مجهولًا». البعض رأى في هذا الانعزال علامة هزيمة وإهدار لقدرة الإنسان على الحياة، بينما رأى آخرون أن الانغماس في حياة هادئة ومخفية بعيدًا عن العالم يمكن أن يجلب السعادة. كتب الشاعر الروماني هوراس: «سعيد من يبتعد عن شؤون الأعمال ويزرع أراضي أجداده مع ثيوله كالرجال القدامى، خاليًا من كل دين، لا يوقظه صوت البوق القاسي كالجنود، ولا يخاف من البحر الغاضب، ويتجنب مركز المدينة وأبواب الأقوياء الشاهقة.» بالنسبة لهوراس، السعادة تكمن في البساطة والابتعاد عن المدن والجيوش، والعيش مع العائلة والحيوانات بدون ديون.
لكن البعض لم يكن يرضى بالانسحاب. أرادوا حل المشكلات وتحسين العالم بأنفسهم. الكاتب المسرحي الأثيني أريستوفانيس قدم حلًا ساخرًا في مسرحيته الأخارنيون، حيث يصور رجلًا يدعى ديكايوبوليس مستاءً من السياسة والكذب والحروب، ومن الناس الذين يصوتون من أجل مكاسب شخصية. فقرر ديكايوبوليس عقد معاهدة مع الإسبارطيين لنفسه وعائلته حتى يعيشوا في سلام، ونجح في ذلك. المسرحية كوميدية بالطبع، لكنها تعكس الإحباط السياسي الذي يشعر به المواطن العادي.
إذن، ماذا تفعل إذا سئمت من السياسة والحياة العامة؟ بعد ألفي عام، الخيارات لم تتغير كثيرًا. يمكنك الانسحاب، التحمل، أو الضحك، ويفضل الضحك لأنه يبدو الخيار الذي يمنح أفضل فرصة للبقاء والعيش بسعادة.
