القائمة الرئيسية

مراجعة كتاب: استكشاف جذور ما يؤلمنا

مراجعة كتاب: استكشاف جذور ما يؤلمنا
ملخص المقال

يقدّم مقال في موقع Undark

بقلم إميلي كاتانيو نقدًا عميقًا للطريقة التي يفهم بها الطب الحديث الألم، مستندًا إلى تجربة الطبيب ورايتش الذي يرى أن اختزال الألم في مقياس رقمي يتجاهل طبيعته المعقدة كخبرة إنسانية تتداخل فيها الأبعاد الجسدية والنفسية والثقافية. يربط المقال هذا الفهم القاصر بانتشار الألم المزمن وأزمة الاعتماد على المواد الأفيونية، موضحًا أن التعامل مع الألم كإشارة جسدية فقط أدى إلى حلول سطحية، أبرزها الإفراط في استخدام المسكنات. كما يستعرض التحول التاريخي في فهم الألم منذ رينيه ديكارت الذي فصل بين الجسد والعقل، وهو ما ترك أثرًا مستمرًا في الممارسة الطبية. ويبرز المقال أن الألم، خصوصًا المزمن، لا يمكن تفسيره فقط بالإشارات العصبية، بل يتشكل ضمن سياق أوسع يشمل التجربة الشخصية والذاكرة والظروف النفسية، وقد يكون مرتبطًا بما يسميه ورايتش “ذاكرة الألم”. ويخلص إلى دعوة لإعادة التفكير في التعامل مع الألم عبر نهج أكثر شمولًا وإنسانية، يركز على فهم تجربة المريض بدل الاكتفاء بعلاج الأعراض.

بقلم: راشيل نيور

عندما نشر ماتيه كتابه «In the Realm of Hungry Ghosts: Close Encounters with Addiction» عام 2009، كتب أن معظم الأطباء آنذاك كانوا لا يزالون ينظرون إلى الإدمان على أنه مرض تحدده الجينات بشكل رئيسي، أو كشيء ينشأ عن ضعف الإرادة. لكن ماتيه رأى أن جذور الإدمان الحقيقية لا تكمن في الميل الوراثي أو الجينات فقط، بل أساسًا في الصدمات النفسية. أصبح الكتاب من أكثر الكتب مبيعًا وفاز بعدة جوائز، وبالاقتران مع الأدلة العلمية المتزايدة، بدأ يغير الطريقة التي نفهم بها الإدمان ونعالجه.

الآن، يحاول ماتيه مرة أخرى تغيير النقاش، هذه المرة حول الصحة بشكل عام، من خلال كتابه الجديد «The Myth of Normal: Trauma, Illness, and Healing in a Toxic Culture» الذي شارك في تأليفه مع ابنه دانيال ماتيه. على مدار ما يقرب من 500 صفحة، يستخدم ماتيه (بوصفه الراوي) بحوثًا علمية موسعة وتجربة عملية تمتد لعقود لبناء حالة جريئة وشاملة حول جذور الكثير مما يؤلمنا. ويطرح أن كل شيء من الصدمات النفسية والاكتئاب إلى ارتفاع ضغط الدم وحتى بعض أشكال السرطان هو أعراض للعيش في مجتمع يتناقض مع احتياجاتنا البيولوجية ولا يعترف بمدى ارتباط رفاهيتنا بكل شيء وكل شخص من حولنا.

كما كتب: «لقد توصلت إلى الاعتقاد بأن وراء وباء الأمراض المزمنة، النفسية والجسدية، الذي يواجهنا في عصرنا الحالي، هناك خلل في ثقافتنا نفسها، يخلق كل من تفشي الأمراض التي نعانيها، والأهم من ذلك، الثغرات الأيديولوجية التي تمنعنا من رؤية وضعنا بوضوح لنتمكن من اتخاذ خطوات لمعالجته».

يبدو أن كتاب «The Myth of Normal» وصل في اللحظة المناسبة تمامًا. فقد ساهمت جائحة كوفيد-19 وعدم المساواة وتغير المناخ والانقسامات السياسية في شعور متزايد لدى الكثيرين بأن هناك شيئًا خاطئًا في الأساس. ويشير ماتيه إلى أن تشخيصات الصحة النفسية تتصاعد في العالم المتقدم في جميع الفئات العمرية، إذ عانى 21٪ من البالغين في الولايات المتحدة — أي ما يقارب 53 مليون أمريكي — من مرض نفسي في عام 2020، وكل ذلك على الرغم من الموارد الاقتصادية والتكنولوجية والطبية الهائلة.

ومع ذلك، تظل أسباب هذا المعاناة غامضة، كما تظل الحلول كذلك. بالنسبة لماتيه، ليس الأمر أننا نصبح أكثر مرضًا، بل «ثقافتنا الاجتماعية والاقتصادية تولد ضغوطًا مزمنة تقوض الرفاهية بأشد الطرق جدية».

يكرس ماتيه ثلاثة أرباع كتابه لتوثيق التحديات الصحية الحالية وتقديم الأدلة العلمية التي تفسرها. يبدأ بالصدمات النفسية، التي يراها واحدة من أكثر الضغوط شيوعًا التي تحرك أزمة صحتنا، ويعرفها على أنها نوع من «الإصابة النفسية التي تتوغل في جهازنا العصبي وعقلنا وجسدنا».

ويقول إن الصدمة، سواء عند طفل مهمل أو جندي في الحرب، تتطور في البداية كآلية دفاعية لحماية الشخص وتخفيف الألم عن طريق فصل نفسه عن ذاته، والآخرين، والعالم المحيط. وبينما يمكن أن تساعد الصدمة على البقاء في مواجهة المعتدي أو رعب الحرب في اللحظة نفسها، فإن آثارها على الدماغ والجسم والسلوك يمكن أن تستمر طويلًا بعد زوال التهديد. وعندما يحدث ذلك، تتحول «موهبتنا المعجزة على التكيف» إلى عبء، ويصبح الشخص مربوطًا بالماضي غير قادر على العيش بالكامل في الحاضر.

ويشير ماتيه إلى أن الصدمات يمكن أن تنشأ نتيجة حدوث أشياء سيئة — مثل الحرب، أو الاعتداء الجنسي، أو الكوارث الطبيعية — لكنها يمكن أن تتطور أيضًا بسبب غياب الأمور الجيدة التي كان ينبغي أن تحدث ولم تحدث، مثل طفل لم تُلبَّ احتياجاته العاطفية أو لم يُقدَّر لما هو عليه حقًا. كما تشير الأدلة المتزايدة إلى أن الصدمات متعددة الأجيال، تنتقل من الآباء إلى أطفالهم عبر السلوكيات والآليات قبل الولادة والتغيرات الجينية. وعلى عكس المثل الشائع بأن «الزمن يشفي كل الجروح»، تميل الصدمات إلى البقاء كظل يلاحقنا، ما لم نواجهها مباشرة عبر العلاج أو أي شكل آخر من أشكال الشفاء.

ويطرح ماتيه أن كل شيء من الصدمات النفسية والاكتئاب إلى ارتفاع ضغط الدم وحتى بعض أشكال السرطان هو أعراض للعيش في مجتمع يتعارض مع احتياجاتنا البيولوجية ولا يعترف بمدى ارتباط رفاهيتنا بكل شيء من حولنا.

ولا تزال الطب النفسي السائد يرى أن معظم مشاكل الصحة النفسية تنشأ أساسًا من اختلالات كيميائية في الدماغ، والتي تحددها الجينات بشكل رئيسي. لكن ماتيه يرى أن الصدمة هي السبب الكامن وراء «الكثير مما يُصنف على أنه مرض نفسي»، بما في ذلك ليس فقط اضطراب ما بعد الصدمة، بل حالات متنوعة مثل الإدمان، واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، وفقدان الشهية العصبي، والفصام.

كما ترتبط الصدمات النفسية والضغوط الناتجة عنها بالجسم بمجموعة مذهلة من المشاكل الجسدية. فقد أظهرت الأبحاث، على سبيل المثال، زيادة خطر الإصابة بسرطان المبيض لدى النساء المصابات باضطراب ما بعد الصدمة؛ وزيادة حدوث النوبات القلبية عند الرجال الذين تعرضوا للاعتداء الجنسي في طفولتهم؛ وزيادة الالتهابات والأمراض — وقصر العمر — لدى السود الذين يتعرضون بانتظام للعنصرية والتمييز؛ وارتفاع احتمالية الإصابة باضطرابات الصحة النفسية وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكري وغيرها من الحالات الضارة لدى الأشخاص الذين واجهت أمهاتهم مستويات عالية من التوتر أثناء الحمل.

تستمر الصدمات والأمراض المزمنة العقلية والجسدية في التفاقم بفعل عوامل مجتمعية وثقافية عديدة، حسبما يرى ماتيه، وهي إلى حد كبير «وظيفة أو خاصية للطريقة التي تسير بها الأمور وليست خللًا؛ نتيجة لكيفية عيشنا، وليست شذوذًا غامضًا».

ويشرح ماتيه أننا كبشر مبرمجون تطوريًا بمجموعة من الاحتياجات الاجتماعية الأساسية الضرورية لرفاهيتنا، مثل التواصل مع الآخرين، والشعور بالانتماء، والإيمان بأن لدينا غرضًا أكبر من أنفسنا فقط. لكن نظامنا الحالي القائم على الرأسمالية التنافسية يتعارض مع هذه الاحتياجات، بما في ذلك من خلال تحديد قيمة الشخص بقدرته على الاستهلاك — وهو سعي أناني بطبيعته.

ويرى ماتيه أننا أنشأنا مجتمعًا يعزز الانفصال عن الذات والآخرين والطبيعة. فالضغوط العملية، وتعدد المهام، ووسائل التواصل الاجتماعي، وتحديثات الأخبار، وتعدد مصادر الترفيه — كلها «تجعلنا نضيع في الأفكار والأنشطة المحمومة والأجهزة والمحادثات عديمة المعنى»، مما يمحو الحاضر ويشتت انتباهنا عن فعل الحياة.

ويتفاقم تآكل قدرتنا على الازدهار بفعل عوامل أخرى عديدة: نحن نعيش في وحدات أسرية نووية معزولة بعيدًا عن عائلاتنا الممتدة ومنفصلين عن المجتمع الأوسع؛ نكتظ في مدن محاطة بالخرسانة بدل الأشجار، ولا نعرف جيراننا؛ شهدنا تراجع كل أشكال المشاركة الاجتماعية من حضور الكنيسة إلى التطوع؛ واستبدلنا التفاعل المباشر، مثل شراء كتاب أو محادثة مع صديق، بالمنصات الافتراضية. «نحن كائنات اجتماعية بطبيعتنا، وأصبحنا كسمكة خارج الماء».

ويكرس ماتيه الربع الأخير من كتابه لاستكشاف «مسارات الكمال»، أو طرق الخروج من الوضع غير الصحي وغير السعيد الذي خلقناه لأنفسنا. ويستعرض مجموعة من الإمكانيات لتحسين الذات، من العلاج المعزز بالمواد المهلوسة إلى تمرين يومي أو أسبوعي صممه للتأمل الذاتي يتضمن طرح أسئلة على النفس مثل: «في مجالات حياتي المهمة، ما الذي لم أرفضه؟» و«أين تجاهلت أو أنكرت الـ ‘نعم’ التي رغبت في أن تُقال؟»

ويعترف ماتيه بصراحة أنه لا يعرف ما الذي سيعيدنا إلى حالة صحية طبيعية، لكنه يشير إلى أن «التغييرات الحقيقية يجب أن تحدث على المستوى المجتمعي»، وهناك بعض الأمل في أن يحدث ذلك. كما يشير إلى أن قدرتنا على العمل نحو الكمال والتحسين على المستوى الفردي يعني أن هذا يمكن أن يحدث على المستوى المجتمعي أيضًا. «عندما ننظر بوضوح إلى ما جعلناه ثقافة طبيعية بشأن الصحة والمرض، وندرك أنه ليس، في الواقع، ما يُفترض أو قدر أن يكون، تظهر إمكانية العودة إلى ما قصدته الطبيعة لنا دائمًا»، يكتب.

تشخيص ماتيه لجذور ما يؤلمنا لم يُقبل بعد على نطاق واسع من قبل المؤسسات الطبية، وكذلك بعض الحلول التي اقترحها للشفاء. لكنه يقدم حجة مقنعة قد تساعد على دفع هذا المسار قدمًا، وإذا كان محقًا، فقد يؤدي في النهاية بالإنسانية نحو عالم أكثر صحة وسعادة واتصالًا بالآخرين.

مقالات ذات صلة