بقلم: إيما ياسينسكي
تشير دراسة نُشرت في يوليو في مجلة Addiction إلى أن نحو ثلث أطباء الرعاية الأولية وأطباء الطوارئ وأطباء الأسنان يفضلون تجنب التعامل مع المرضى الذين يعانون من اضطرابات استخدام المواد الأفيونية أو المنبهات. بل إن واحدًا من كل خمسة أطباء وصف هؤلاء المرضى بأنهم “مزعجون”. وتبيّن أيضًا أن الأطباء الذين يملكون درجات مرتفعة من التمييز والرفض الاجتماعي تجاه هذه الفئة يكونون أقل ميلًا لعلاجها أو حتى إحالة المرضى إلى جهات مختصة، فيما صرّح نحو 18.5% منهم بأنهم يشعرون بأن قدرتهم على المساعدة محدودة.
غير أن الواقع الطبي يقول عكس ذلك. فاضطراب استخدام المواد الأفيونية من الحالات التي تتوفر لها علاجات فعالة، وقد أثبتت الدراسات نجاحها. وتشمل هذه العلاجات أدوية مثل الميثادون والبوبرينورفين، وهي تعمل على مستقبلات المواد الأفيونية في الدماغ، ما يخفف أعراض الانسحاب ويقلل الرغبة في التعاطي، ويساهم في تقليل خطر الانتكاس والوفاة بسبب الجرعات الزائدة بشكل كبير.
لكن الوصول إلى هذه العلاجات ليس سهلًا دائمًا.ورغم ذلك، لم يواكب عدد المرضى الذين يتلقون العلاج الزيادة في عدد الأطباء القادرين على وصف الدواء، إذ بقيت نسبة المستفيدين منخفضة نسبيًا.
في الواقع، لا يزال عدد الأطباء الذين يصفون أدوية لعلاج اضطرابات استخدام المواد الأفيونية محدودًا، حيث أفاد نحو 10% فقط من أطباء الرعاية الأولية بأنهم يقدمون هذا النوع من العلاج.
التجربة الإنسانية تكشف بوضوح الفارق الذي يمكن أن يصنعه الطبيب. فعندما يكون الطبيب متفهمًا ومستعدًا للعلاج، يتحسن مسار المرضى بشكل ملحوظ. أما حين يُقابلون بالرفض أو الإهمال، حتى دون إحالتهم إلى جهات أخرى، فإن ذلك يفاقم معاناتهم.
ولا يمكن تجاهل الضغوط التي يواجهها الأطباء، من انخفاض الأجور إلى الإرهاق المهني ونقص الكوادر. لكن في ظل استمرار وفاة عشرات الآلاف سنويًا بسبب الجرعات الزائدة، فإن مسؤولية التعامل مع هذه الحالات بجدية تصبح ضرورة أخلاقية ومهنية. المطلوب ليس فقط تقديم العلاج، بل أيضًا مواجهة التحيزات الشخصية التي قد تعيق ذلك.
يشبّه بعض المختصين التعامل مع اضطرابات الإدمان بالتعامل مع حالات طبية طارئة مثل النوبات القلبية. فعدم تقديم علاج مبني على الأدلة، أو الامتناع عن الإحالة، يُعد إخلالًا بمعايير الرعاية الطبية. ومن هذا المنطلق، فإن تجاهل علاج الإدمان لا يقل خطورة عن إهمال أي حالة مرضية أخرى.
ورغم ذلك، يواجه المرضى تحديات مستمرة، حتى بعد بدء العلاج. فقد أفاد بعضهم بصعوبة العثور على أطباء يتعاملون معهم بإنصاف، أو بضعف معرفة الأطباء بالأدوية المستخدمة. كما أن الوصمة لا تقتصر على المرضى، بل تمتد إلى العلاجات نفسها، حيث لا يزال الجدل قائمًا حول بعض الأدوية من حيث القبول الاجتماعي.
في المقابل، يؤكد مختصون أن علاج اضطرابات الإدمان لا يختلف من حيث التعقيد عن علاج أي مرض مزمن آخر، ويمكن تدريسه وتعلمه بوضوح. وقد طُورت بالفعل برامج تدريبية تشمل كيفية تشخيص هذه الاضطرابات، والتواصل مع المرضى، ووضع خطط علاجية مناسبة. وهذه البرامج متاحة اليوم على نطاق واسع، بل ويمكن لغير المتخصصين الاستفادة منها.
ولا يقتصر الدور على الأطباء فقط، بل يشمل أيضًا الصيدليات، حيث لا توفر نسبة كبيرة منها بعض الأدوية الأساسية مثل البوبرينورفين، ما يضيف عقبات إضافية أمام المرضى حتى بعد حصولهم على وصفة طبية.
ويرى بعض الخبراء أن القيود التنظيمية الصارمة حول هذه الأدوية ساهمت في خلق انطباع مبالغ فيه عن خطورتها، ما أدى إلى تردد الأطباء في استخدامها. فالخوف من التعقيدات القانونية قد يكون بحد ذاته عائقًا أمام تقديم العلاج.
في النهاية، لا تزال هناك فجوة واضحة بين ما هو متاح من علاج وما يُقدم فعليًا للمرضى. سد هذه الفجوة يتطلب تغييرًا في المعرفة والمواقف معًا. فتعليم الأطباء الجدد خطوة مهمة، لكنها لا تكفي إذا لم تشمل أيضًا الأطباء الممارسين الذين قد يفتقرون إلى المعلومات الدقيقة.
الأهم من ذلك هو إدراك أن الامتناع عن العلاج ليس خيارًا محايدًا، بل قرار له تبعات خطيرة. فكما أن للعلاج مخاطره، فإن لعدم العلاج أضرارًا حقيقية، وغالبًا ما تكون أكبر مما يُقدَّر.
